العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

مقالات

رائدة أعمال فلسطينيّة شّابة تتصدّى لأكثر مشاكل غزّة إلحاحا

بقلم:مي رستم

الجمعة ٢٠ ٢٠١٩ - 01:00

بدأت مجد مشهراوي في إنتاج موادّ بناءٍ صديقةٍ للبيئة وبعدها أنتجت معدّات ذكيّة لتوليد الكهرباء من الطّاقة الشمسيّة. وبذلك، استطاعت مجد أن تتغلب على العديد من التّحدّيات لتجعل من مدينة غزّة مدينةً أكثر استدامة للأجيال القادمة.

بقلم: مي رستم

من مظاهر المعاناة في الحياة اليوميّة لدى أكثر من مليونيّ نسمة في مدينة غزّة الفلسطينيّة هو أنهم يضطرّون الى التّكيُف مع توافر الكهرباء مدة ثلاث ساعاتٍ فقط في اليوم. إذ يتحتّم على المستشفيات والمدارس ومرافق الصّرف الصّحيّ أن تعمل وفقا لمصدر محدود ولا يعوّل عليه من الطّاقة الكهربائيّة تتحكم في مقتضياته السّياسة.

لم يكن لدى مجد مشهراوي، البالغة من العمر خمسة وعشرين عاما، شكٌ بأنّ الحال لا بدّ أن تتغيّر. تعتبر مجد واحدة من ستّة من الطلبة الذين  يحصلون على شهادة في الهندسة، إذ تخرّجت في الجامعة الإسلاميّة في غزّة بعد أن نالت درجة البكالوريوس في الهندسة المدنيّة. ولكنّ حصولها على شهادة جامعيّة في ظل ثقافة متحيّزة ضد المرأة كان يعني مواجهة ندرة فرص العمل علاوة على العديد من العقبات.

وعلى الرغم مما سبق، فقد أبت هذه المهندسة، التي أصبحت فيما بعد رائدة أعمال ألا توقفها مثل هذه الأمور. وتقول مجد: «إننا نعاني في غزّة من تبعاتِ حصارٍ جائر منذ أكثر من عقدٍ من الزمن. إنّنا محاصرون في سجن بلا قضبانٍ لا نستطيع فيه الحصول على ماءٍ نقيّ، ولا رعاية صحيّة جيّدة، ولا طاقة كهربائيّة يمكن الاعتماد عليها، هذا فضلا عن عجزنا عن العثور على منازل. خمسون عاما مضت وأنقاض منازلنا ينتهي بها المطاف إلى مكبّات النفايات، كما أنّ مياهنا الجوفيّة تسبّب مزيدا من الضّرر؛ كل ذلك بسبب عدم تطبيق طرق إعادة التدوير».

أنقاضٌ تنقذ قضيّة

بما أنّ هناك قيودا مفروضة على جلب مواد البناء إلى داخل غزّة، راودت مجد وزميلتها السّابقة في الدراسة روان عبد اللطيف فكرة مفادها: «لم لا ننتج طوباً للبناء من المادّة المحليّة المتوافّرة لدينا هنا في غزّة؛ ألا وهي الأنقاض؟».

صحيح أنّ مجد فشلت مائة وخمسين مرّة قبل أن تنجح في التوصل، من خلال مشروعها «جرين كيك»، إلى التركيبة المناسبة لصناعة قوالب طوب تصلح للبناء قوية كالخرسانة ومن مادة رخيصة كالأنقاض. وهنا توضح مجد قائلة: «تُصنع الخرسانة من الرُّكام والرّمل والإسمنت. وبعد ثمانية أشهر من التّجارب، وجدنا أنّنا لن نستطيع استبدال الإسمنت بصورة كلية، ولذلك باشرنا النظر في المكوّنين الآخرين. وفي الأخير، وجدنا أنّ مصانع الإسفلت في غزّة تصدر ثمانية أطنان من الرّماد أسبوعيا نتيجة حرق الخشب والفحم. ومن ثمّ، حوّلنا هذا المُخلّف الصناعيّ إلى حشوة نستخدمها في إنتاج طوب البناء؛ الأمر الذي أدّى إلى تخفيض تكاليف موادّ البناء بنسبة 25 في المائة».

وبعد إجراء عديد من الاختبارات لفحص المتانة ومقاومة النّار والضّغط والاستدامة، استطاع مشروع طوب «جرين كيك» أن يثبت مكانته في السّوق في عام 2016. وأضافت مجد: «عملي في مجال البناء، بصفتي أنثى، كان تحدّيا أكبر من تحدّي إرساء المشروع نفسه. لقد تطلّب الأمر المزيد من الجهد والعزيمة والبحث للعثور على ورشة في غزّة يسمح أصحابها بأن أُجري بها تجربتي وأطبّقها».

وما زال مشروع «جرين كيك» صامدا منذ بدايته، إذ استُخدمت أكثر من 100.000 طوبة من إنتاج المشروع في إعادة ترميم منازل ومصانع في هذه المدينة، التي مزّقتها الحروب. وتقول مجد: «هذه مجرد البداية فقط. إننا نؤمن بأنّ مشروع «جرين كيك» ما زال أمامه الكثير من العمل، حتّى يزيد نفعه، ولكنّنا لن نستطيع تحقيق ذلك بدون الدّعم الماليّ».

لحظةٌ أُنير فيها المصباح

لم تقف المهندسة الشغوفة عند مجرد فكرة إعادة إعمار غزّة. وفي هذا الصدد، تقول مجد: «تمدّنا الشّمس بأشعّتها مدّة يصل متوسّطها إلى 320 يوماً في السّنة. ولم تلجأ منطقتنا بالكامل إلى الحصول على الكهرباء من أحد مصادر الطاقة المستدامة؛ ألا وهي الطّاقة الشّمسيّة». 

كانت هذه الفكرة هي السبب وراء إنشاء «صن بوكس»، وهي عبارة شركة تقدّم جهازا يولّد 1.000 وات من الكهرباء من خلال الطاقة الشمسيّة، وهو ما يكفي لتزويد الكهرباء للأجهزة الكهربائية المنزليّة الصغيرة وأربعة مصابيح وثلّاجة مدة يوم كامل. وتبلغ كلفة هذا الجهاز الهجين، الذي استُورِدَ من الصّين وصُنِّعَ محليًّا، 350 دولارا. وتعلّق مجد بقولها: «16 بالمائة من العائلات في غزّة تدفع حواليّ 56 دولارا شهريًّا للحصول على وسائل بديلة للتزود بالكهرباء. وفي سياق حديثنا عن عامّة السكّان، فإن معظم المنازل تدفع مبلغاً يُقدّر بحوالي 15 دولارا شهريا للحصول على وسائل بديلة للتزود بالكهرباء. لذلك، إذا نظرت للأمر على المدى البعيد، فستجد أنّ هذا الجهاز مصدر طاقة أقلَّ كلفة وأكثر استدامة وبالإمكان التّعويل عليه».

تم تدشين مشروع «صن بوكس» في شهر نوفمبر. وتقدّم الشركة، التي تنتج هذا الجهاز الهجين وتمتلك فرع ربحيّ وآخر لا يهدف الى الربح، أنظمة طاقة شمسيّة تعمل سواء بالاتصال على الشبكة أو بدون الاتصال لتوفير  الكهرباء للمنازل التي تعاني من نقص في الكهرباء.

وتقدم شركة «صن بوكس» نوعان من أنظمة الطاقة الشمسيّة؛ الأوّل مخصّص للعائلات منخفضة الدّخل، وهذا النظام مدعوم عبر برنامج للتمويل الجماعيّ. أمّا النظام الثّاني فهو نظام يشترك فيه منزلان، ويمكن من خلاله تزويدهما بالكهرباء على ألا يتجاوز الحد الأقصى للاستهلاك اليومي من الطاقة 1 كيلووات.

وتختتم مجد حديثها قائلة: «من الصّعب إدارة أي مشروع يعتمد اعتمادا كلياً على السّياسة. إن أصعب تحدًّ يعترضنا هو الحصول على التراخيص اللازمة لجلب الألواح الشمسيّة إلى داخل غزّة، إلا أنّنا نثابر ونحصل عليها في النهاية. يجب علينا أن نكافح من أجل الحصول على حقوقنا في غزّة. ولكن هذا أمر يتطلّب منا أنه عندما نؤمن بشيء، يجب أن تدفعنا رغبة قوية نحو التغيير، الذي نودّ أن نراه في العالم».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news