العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الانتخابات الإسرائيلية والحسابات السياسية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٧ ٢٠١٩ - 01:00

قبل أن يتسنى لأي ناخب أن يدلي بصوته في ثاني انتخابات عامة تشهدها إسرائيل هذه السنة طفا على سطح الأحداث معطيان اثنان. يتمثل المعطى الأول في أن نتيجة هذه الانتخابات لن تختلف في شيء عن تلك النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات التي أجريت في شهر أبريل الماضي بقطع النظر عن الطرف الذي سيخرج منتصرا. 

أما المعطى الثاني فهو أن إسرائيل وفلسطين قد أصبحتا تشكلان دولة واحدة قائمة على الفصل العنصري -أو الأبارتهايد- رغم حالة الإنكار التي يعيش فيها الليبراليون في الدول الغربية والذين يأبون الاعتراف بهذا الأمر. 

عقب الانتخابات التي أجريت في شهر ابريل الماضي لم يستطع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشكيل حكومة ائتلافية تضم أغلبية تسيطر على 61 مقعدا في الكنيست، وهو ما جعله يقرر الدعوة لإجراء انتخابات عامة جديدة على أمل أن يحسن وضعه ويحصل على أغلبية مريحة. 

خلال الأشهر الخمسة الماضية حرق بنيامين نتنياهو كل الحواجز. فقد قصف ثلاث دول وهي العراق وسوريا ولبنان، كما أنه أعلن أنه إذا ما فاز في الانتخابات فإنه سيضم غور الأردن إضافة إلى المستوطنات والبؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية. 

لم يتوقف بنيامين نتنياهو أيضا عن التحريض ضد الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، من ذلك أنه أصدر بيانا بعنوان «العرب يحاولون سرقة الانتخابات»، كما نشر تعليقا ناريا على الفيسبوك زعم فيه أن «العرب يريدون القضاء علينا جميعا – من نساء وأطفال ورجال»، في الوقت الذي ينكر فيه مسؤوليته عن ذلك التعليق غير أن المعلقين قد طعنوا في صحة إنكاره. لقد أجبر بنيامين نتنياهو أيضا أعضاء من حزبه الليكودي على التعهد بدعم تمتعه بالحصانة من أي ملاحقة قضائية بشأن تهم الفساد التي يواجهها في الوقت الحالي. 

رغم كل ذلك فإن استطلاعات الرأي تظهر أن النتائج التي سيحصل عليها بنيامين نتنياهو والائتلاف الذي يقوده لن تكون أفضل من تلك النتائج التي حصل عليها في شهر أبريل الماضي. بل إنه يبدو أنه لا الائتلاف الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو ولا أهم الأحزاب المعارضة لاستمراره على رأس الحكومة قد يحصلان على نتائج أفضل من تلك التي حققاها في شهر أبريل الماضي. 

لعل التطور الوحيد هو ذلك الذي تحقق في صلب اليمين الديني المتطرف والأحزاب القومية العلمانية المتطرفة. قد يكون نتنياهو يرغب قي إشراك هذين الطرفين في حكومته الائتلافية الموسعة من أجل ضمان الحصول على أغلبية المقاعد في الكنيست غير أن القوميين العلمانيين يتناقضون آيديولوجيا مع اليمين الديني المتطرف وهو ما يجعلهم يرفضون المشاركة في مثل هذه الحكومة الائتلافية. 

في الوقت نفسه نجد أن بعض أطراف المعارضة قد تكون ترغب في الانضمام إلى هذه الحكومة الائتلافية مع حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو غير أن الثمن سيكون باهظا لأن ذلك سيحتم عليه التنحي عن رئاسة الحكومة. لكن بما أن بنيامين نتنياهو يسعى يائسا للبقاء في منصبه على رأس الحكومة ويتشبث بموقعه من أجل الإفلات من التحقيقات القضائية وتجنب الإهانة التي قد تلحق به فإنه يستبعد أن يقبل بدفع ذلك الثمن المطلوب. هذا هو السبب الذي جعله يشدد على أعضاء حزبه كي يتعهدوا بالولاء له قبل إجراء الانتخابات. 

تظهر الاستطلاعات التي أجريت قبل إجراء الانتخابات أن أبرز الأحزاب المعارضة – الأزرق والأبيض – سيجد أيضا صعوبة كبيرة في الحصول على أغلبية 61 مقعدا في الكنيست. أما المشكلة الثانية فهي تتمثل في أن هذا الحزب لن يتمكن -وفق أغلب السيناريوهات المتفائلة- من جمع 61 مقعدا في الكنيست الإسرائيلي ما لم يحصل على المقاعد الأحد عشر التي ستحصل عليها القائمة المشتركة للفلسطينيين من عرب إسرائيل.

قال قادة حزب «أزرق وأبيض»، إنهم لن يشكلوا حكومة تكون رهينة أعضاء القائمة العربية المشتركة كما أن قادة هذه القائمة المشتركة قد قالوا إنهم سينضمون إلى الحكومة الائتلافية التي توافق على ضمان المساواة لعرب إسرائيل وإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية وهي المطالب التي يرفضها قادة الأزرق والأبيض جملة وتفصيلا. 

نتيجة لذلك فإن إسرائيل ستعود إلى نفس النقطة التي أفرزتها الانتخابات التي أجريت في شهر ابريل الماضي. فالانتخابات الجديدة لن تحسم الأمر بل إنها ستزيد الأوضاع فوضى واحتقانا سياسيا. 

هكذا إذن وبقطع النظر عمن سيفوز فإن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني لن يشهد أي تغيير بل إنه قد يزداد تعقيدا. لن تكون هناك نهاية الاحتلال الأراضي الفلسطينية ولن يكون هناك حل الدولتين لإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. لقد انجرفت الحياة السياسية في إسرائيل إلى اليمين. يصعب أن نفهم السبب الذي يجعل الإعلام الأمريكي يواصل الحديث عن وجود معارضة لبنيامين نتنياهو وحكومته الائتلافية ويعتبر أنها معارضة تمثل «ائتلاف وسط اليسار». مهما يكن معنى كلمة «يسار» في هذا المشهد السياسي فإنه لا يعني أي شيء فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين في السلام وحقوق الإنسان.

على غرار بنيامين نتنياهو، فإن حزب «أزرق وأبيض» يعتبر أن مسألة ضم القدس والأراضي الفلسطينية المحيطة بها ستظل قائمة. يزعم قادة هذا التيار أنهم بدورهم يؤيدون توسع السيادة الإسرائيلية كي تشمل غور الأردن والمستوطنات اليهودية المنتشرة في الضفة الغربية المحتلة. 

لعل النقطة الوحيدة التي تجعل «الأزرق والأبيض» يختلف عن حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو هو أنه اتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بمهادنة حركة حماس في قطاع غزة. فقد دعا زعيم الأزرق والأبيض إلى شن عملية عسكرية واسعة من أجل إنهاء سيطرة الإسلاميين على قطاع غزة كما أنه رفض موقف الفلسطينيين من عرب إسرائيل والذين يطالبون بإلغاء «قانون يهودية دولة إسرائيل» – وهو القانون الذي يمنح حقوقا خاصة وحصرية لليهود باسم حق تقرير المصير في «أرض إسرائيل» ويجرد عرب إسرائيل من الحصول على حقوقهم الكاملة في دولة إسرائيل. 

يتضح إذن أن الليبراليين يتعلقون بمجرد أوهام ذلك أنهم يتوهمون أن مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو ستكون مختلفة عما قبلها. لعل وجه الاختلاف الوحيد هو أن تولي «الأزرق والأبيض» مقاليد الحكم في إسرائيل سيؤدي إلى التخفيف من قبضة الحاخامات اليهود الأرثوذكس على مختلف نواحي الحياة الدينية والاجتماعية في البلاد. أما فيما يتعلق بمسألة إنهاء الاحتلال والاستجابة للحد الأدنى من متطلبات إقامة الدولة الفلسطينية فإنه لا بنيامين نتنياهو ولا «الأزرق والأبيض» سيعمل على تحقيق هذا الهدف. 

هذه هي إسرائيل التي بناها بنيامين نتنياهو وحزب الليكود. فمنذ أواخر فترة السبعينيات من القرن العشرين الماضي بدأ حزب الليكود لدى وصوله لأول مرة إلى السلطة تنفيذ برنامجه التوسعي الاستيطاني، وقد ذكروا آنذاك أنهم يريدون القضاء على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية. 

بعد إبرام اتفاقيات أوسلو راح أقطاب حزب الليكود يحرضون ضد تلك الصفقة التي وقع عليها حزب العمل مع الفلسطينيين. تبعا لتلك الجهود التي بذلها حزب الليكود أصدر الكونجرس الأمريكي الذي كان يسيطر عليه الجمهوريون تشريعا جديدا مناهضا للسلام مع الفلسطينيين. أدى ذلك التحريض أيضا إلى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وانتخاب بنيامين نتنياهو سنة 1996 رئيسا للحكومة على أساس أجندة انتخابية تعهد من خلالها بالعمل على إنهاء مسار السلام. 

في الأثناء، وطوال هذا الوقت، ظلت الأصوات الليبرالية صامتة فيما راحت إسرائيل تكثف من بناء المستوطنات الجديدة ومد الطرقات وتشييد البنى التحتية والاستيلاء بالقوة على أراضي الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم الأساسية.

كان الفلسطينيون يعتبرون أن مسار أوسلو سيؤدي في نهاية المطاف إلى الانفصال وقيام دولتين غير أن الليبراليين كان لهم رأي آخر ولم يتبنوا أبدا هذه المقاربة، إلى أن طرح الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون سنة 2001 ما اعتبره آنذاك «تفاهمات السلام». 

عندما ترتفع الأصوات الليبرالية اليوم دفاعا عن حل الدولتين فإنها لا تتخذ موقفا ضد الاحتلال الوحشي وانتهاك إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني، بل إنها تقول إنها تدافع عن حل الدولتين من أجل الحفاظ هوية إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية. في حقيقة الأمر، لن تكون إسرائيل أبدا دولة يهودية وديمقراطية في الوقت ذاته، كما أن إسرائيل لم تنشأ من أجل تحقيق هذا الهدف. 

في بداية قيام الدولة، عمدت إسرائيل إلى تهجير السكان العرب الأصليين سنة 1948، وتحقيق ما اسماه ديفيد بن جوريون آنذاك «المعجزة المزدوجة» – أي «إقامة دولة مع مزيد من الأراضي وأقل ما يمكن من العرب». كانت إسرائيل تعتقد آنذاك أنه يمكنها أن تواصل التعايش مع أقلية من العرب وأنها ستواصل استغلالهم وقمعهم ومن ثم احتواءهم. 

استمر ذلك الوضع إلى ما بعد سنة 1967 عندما احتلت إسرائيل في الحرب التي نشبت في شهر يونيو من تلك السنة المزيد من الأراضي العربية غير أنها وجدت نفسها تتعامل مع عدد أكبر من السكان العرب. 

على امتداد 25 سنة بعد حرب يونيو 1967 ظل الليبراليون صامتين على وحشية الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وبقية الأراضي العربية. خلال هذه المدة، كانت إسرائيل تمد جذورها في الأراضي الفلسطينية دون أن ترتفع أصوات تعبر عن معارضتها لهذه السياسات الاستيطانية. أما اليوم فقد قضي الأمر واستطاعت إسرائيل على مر الأعوام أن تمد جذورها عميقا. 

يعيش اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة 650 ألف مستوطن، كما قامت إسرائيل بمد شبكة من الطرقات والبنى التحتية المخصصة لليهود فقط ومزقت أوصال الأراضي الفلسطينية وحولتها إلى كانتونات معزولة من دون أن يجرؤ اليوم أي أحد على إعادة النظر في هذا الواقع، الأمر الذي يكرس وجود دولة واحدة وهي دولة قائمة على الفصل العنصري، حيث إن الأغلبية التي تعيش ما بين وادي الأردن والبحر الأبيض المتوسط هي من العرب الفلسطينيين. 

لعل ما يدعو للسخرية اليوم أن الليبراليين يتباكون على ما يعتبرونه «إمكانية نهاية حل الدولتين». إنه لأمر يبعث على السخط لأن صمت هؤلاء الليبراليين هو الذي جعل إسرائيل تتمادى وتخلق هذا الواقع. 

لا همّ لهؤلاء الليبراليين اليوم سوى الحفاظ على يهودية دولة إسرائيل دون الاكتراث بمعاناة الشعب الفلسطيني على مدى عقود تحت نير الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. لم يتحرك هؤلاء الليبراليون بكل مسؤولية للتصدي للممارسات والسياسات الإسرائيلية كما أن صمتهم هو الذي كرس إفلات إسرائيل من العقاب. 

يدرك نتنياهو وائتلاف «الأزرق والأبيض» جيدا أنه يمكنهما أن يوسعا السيادة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية ويواصلا تضييق الخناق على قطاع غزة وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية و«القدس الكبرى» من دون أن يحدث أي شيء. 

لهذه الأسباب أقول إن الانتخابات الإسرائيلية العامة الجديدة لن تقرر أي شيء – سواء لإسرائيل أو للشعب الفلسطيني.

‭{‬ رئيس المعهد العربي – الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news