العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: من بعد نجيب محفوظ؟

عبدالحميد القائد

السبت ١٤ ٢٠١٩ - 11:15

كلنا نحترق 

أنتَ في ثباتك 

وأنا في طوافي 

لكن إن مالت الروحُ 

عمّا رماهُ بها الزمانُ 

فقلْ علينا السلام !

(جمال الغيطاني)

بعد 13 عامًا على رحيل نجيب محفوظ، من حلّ مكان هذا العملاق الذي تركَ فراغًا هائلاً، لا يمكن أن يسده أحد في رأيي، مثلما لم يسدّ أحد مكان الزعيم العظيم جمال عبدالناصر وكلاهما قامتان أو ظاهرتان لن تتكررا أبدًا. فالشخصيات العظيمة ترسم مسار التاريخ ونكهته وملامحه. ما زال نجيب محفوظ يحتفظ بمكانته واهتمام الدارسين به. فقبل عدة شهور عثر أحد مريديه وهو الصحفي المصري محمد شعير على 18 قصة له لم تنشر من قبل في كتاب، بل نشرت في تسعينات القرن الماضي في بعض المجلات المصرية بالإضافة إلى قصة جديدة حصل عليها لدى ورثةَ الراحل. وقامت دار الساقي في بيروت بنشرها تحت عنوان «نجيب محفوظ... همس النجوم». وإثباتًا لصدق كلامه في صحة القصص أرفق شعير صورة من أصولها بخط يد محفوظ مع الإبقاء على عناوين الأعمال كما اختارها نجيب.

هناك من يقول أن الكاتب المصري جمال الغيطاني هو امتداد لتجربة نجيب محفوظ الذي كان على الرغم من الفارق الكبير في العمر. فنجيب محفوظ من مواليد 1911 والغيطاني 1945. جيلان مختلفان، لكن الدارسين يرون أن كلاهما استلهم التاريخ المصري في خلق عالم روائي غريب وعجيب وبأن تأثره بأستاذه قد لعب دورًا رئيسيًا في بلوغه هذه المكانة خاصةً وأن الغيطاني كان مطّلعا بعمق على الأدب القديم وحاول إعادة اكتشافه بنظرة عصرية. هذا القروي البسيط المولود في قرية جهينة والذي تعلّم فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان بعد دراسة ثلاث سنوات في مدرسة فنية، عمل في المؤسسة العامة للتعاون الإنتاجي رسامًا للسجاد الشرقي، ومفتشا على مصانع السجاد الصغيرة. كتب الغيطاني أول قصة قصيرة له وهي «نهاية سكير» عام 1959 وتغيرت حياته رأسًا على عقب بعد اعتقاله في أكتوبر 1966 بتهمة الانتماء إلى تنظيم سري حيث أمضى ستة شهور في المعتقل. وبعد إصدار مجموعته القصصية الأولى «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» عام 1969 دعاه المفكر الكبير محمود أمين العالم، الذي كان رئيسا لمؤسسة أخبار اليوم، الى أن يعمل معه فانتقل للعمل بالصحافة وكتب ثلاث روايات خلال الفترة من عام 1963 إلى 1969 وهي «وهي لم تنشر» و«محكمة الأيام» و«اعتقال المغيب» والروايتين الأخيرتين تعرضتا للفقدان أثناء اعتقاله. احساس مفجع ان تفقد رواية كتبتها وكأنك فقدت طفلاً من أطفالك. احساس قاس فعلاً لكنه عوّض كل ذلك بالكثير من الروايات والكتب الأخرى التي صدرت لاحقًا. بعد أن نشط في الصحافة عمل مراسلاً على جبهة القتال وشهد خلالها حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية وحرب أكتوبر ثم زار فيما بعد شمال العراق ولبنان والجبهة العراقية خلال الحرب مع إيران. ومع صدور مجلة «أخبار الأدب» عيّن الغيطاني رئيسا لتحريرها عام 1993 واستمر لغاية وفاته عام 2015.

وبسبب مواقفه الوطنية وكتاباته التي انتقدت التدخل الأمريكي في العراق، تعرض الغيطاني للعديد من الهجمات والمؤامرات فقد اُتهم مثلاً بأنه الكاتب الحقيقي لرواية «زبيبة والملك» التي ادّعى صدام حسين انه هو كاتبها. ومما دعم تلك الاتهامات هو كتاب «حرّاس البوابة الشرقية» والذي أصدره الغيطاني عام 1975 في بغداد، هذا العنوان الذي أُطلق على الجيش العراقي لاحقًا أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وقد نفى الغيطاني بشكل مطلق انه كاتب الرواية. وصدرت العديد من بيانات الاحتجاج على هذه الهجمة على الغيطاني من العديد من الجهات والمؤسسات الأدبية في العالم العربي التي اعتبرت هذه التهم محاولة لإسكات صوت الغيطاني.

هذا الشاب القروي الأصل القادم إلى الجمالية، ذاب في سماء القاهرة وعشقها وكتبها وكتبته بأسلوب أنيق فأمطرت روحه وأصابعه روايات كثيرة تجاوز عددها 35 كتابا ما بين روايات وقصص قصيرة ودراسات. فهل اقترب الغيطاني من مسار أستاذه نجيب محفوظ الذي توفى وعمره 94 عامًا ورحل الغيطاني بنوبة قلبية وعمره 70 عامًا فمن أضاف أكثر أو اقل إلى تعرجات وأسرار القاهرة وجمالها، هذا ما نتركه للنقّاد. وينبثق سؤال آخر: من بعد جمال الغيطاني؟

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news