العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: عن أيّة ذائقة نتحدث؟!

بقلم: د. ضياء

السبت ١٤ ٢٠١٩ - 11:11

عندما قابل الصحفيّ كاستروكايسيدو الروائيّ الكولومبيّ العالميّ الحائز جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز كان الروائيّ الكولومبيّ يسرد له ظرفه الماديّ القاسيّ الذي كان يحاصره بشراسة عندما أراد إرسال مخطوطة روايته «مائة عام من العزلة» إلى الناشر الأرجنتينيّ. ففور انتهاء ماركيز من كتابة الصفحة الأخيرة من الرواية توجّه مع زوجته مرسيدس إلى مكتب البريد لإرسال المخطوطة المتكوِّنة من سبعمائة صفحة من القطع الكبير. ولأنَّ ماركيز ليست لديه كلفة الإرسال كاملة؛ فقد سلخ مخطوطته إلى قسمين أرسل القسم الأول ثم عاد إلى منزله ووفّر القسم المتبقي للإرسال من بيع أدواته الحياتية الأساسية من المدفأة إلى مجفف الشعر إلى خلاّط الطعام. ويتذكر ماركيز ضاحكًا تعليق زوجته الغاضب جدًا حينما التفتت إليه بعد انتهاء المهمة الشاقة «ما ينقصنا هو أن تكون هذه الرواية سيئة جدًا!». الزمن في روايات غابرييل ماركيز جميعها زمن خاص به وحده لا يعرفه سوى سكان القارة العجائبيّة المدهشة أمريكا اللاتينية حيث الواقعية السحرية. وهو زمن يحتاج إلى متلقٍ صبور جدًا قادر على الإمساك بدقة بخيوط اللعبة السردية وبتفصيلاتها الطويلة جدًا والتكرارية في كثير من الأحيان. وماركيز حتى في سيرته الذاتية «عشتُ لأروي» كان يؤثر السرد الطويل بالتفصيلات الطويلة التي تمتد إلى صفحات وصفحات. والمذهل أنّه اختزل بضع سنوات فقط من عمره في سيرته الذاتية التي أتت في مجلدين من القطع الكبير، فماذا لو كان كتب سيرته الذاتية كاملة وهو الحكّاء الكبير المدهش في سرده! 

في سفري الأخير أردتُ أن أعيد قراءة رواية «مائة عام من العزلة» رغم قراءتي لها مرات عدة في سنوات ماضية، ولكني في هذه المرة قررتُ أن أعيش بعمق تجربة الزمن البطيء جدًا والاستعاديّ في كثير من الأحيان. وقرّرت أن أواجه هذا الاكتظاظ وتلك السرعة المتلاحقة في إيقاع حياتنا اليومية بقراءة مغايرة بطيئة جدًا ولكنها ممتعة أيضًا. استغرقت مني رواية زمن السفر كاملاً حوالي الأسبوعين؛ كنتُ في كل يوم أقرأ بضع صفحات منها فقط وأرجئ قراءة الصفحات التالية. وكنتُ أقبل كلّ ليلة بمشاعر اشتياق جارفة لقراءة القادم من الرواية!

تتحوّل روايات غابرييل غارسيا ماركيز في بعض الوسائط الافتراضية العربية مثل الفيس بوك والانستغرام إلى مجرد اقتباسات مزيّنة بصورته، تتحوّل الرسّامة والمبدعة فريدا كاهلو إلى حقيبة يد نسائية أو إلى وشاح ترتديه أجيال شابة صغيرة وقليل منها من يعرف عن إبداع هذه الفنانة وعن حياتها المعقدة جدًا! ويتحوّل تشي جيفارا إلى قبعة رجالية يعتمرها أحد الشباب في مكان ما من هذا العالم دون أن يقرأ كتبه ودون أن يعرف مساراته! الذائقة التي ذكرتها ليست حالة عربية فقط هي حالة عالمية! هل هو مزاج السرعة المذهلة جدًا هو الذي أصبح يتحكم في ذائقتنا وذائقة الملايين من البشر حول العالم! حيث الاختزال والاختزال المخل في كثير من الأحيان! بالفعل نحتاج إلى بعض البطء والتمهّل في حياتنا والتلّذذ البطيء بذائقة كتاب يحتاج أن نمنحه من وقتنا بضعة أيام.

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،كلية الآداب، جامعة البحرين. 

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news