العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الفقر الأخلاقي أسوأ من الفقر المادي

قضت محكمة جنايات شمال القاهرة بسجن السيدة م. ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، بسبب صفقة تجارية غير قانونية، كانت فيها هي البائع، ودخلت السجن رغم أنها لم تتقاض سوى ثلث ثمن البضاعة، وم. هانم في الثلاثين من العمر طلقها زوجها وهي حامل، وأنجبت بعد الطلاق بأشهر قليلة طفلا أسمته ح. في مستشفى الدمرداش التعليمي في العباسية، ولكن حدثت المأساة حيث اختفى الرضيع وعمره أيام معدودة، وانهارت الأم واتهمت الست م. إدارة المستشفى بالإهمال والتقصير والتسبب في اختفاء أو سرقة طفلها، وأخذت الشرطة الأمر بجدية، حيث خصصت أمهر محققيها لتلك القضية، ولكن وبعد تحريات مبدئية لم تستغرق سوى ساعات قصار اتضح أن م. هانم غادرت المستشفى وهي تحمل وليدها ح، فكان أن حاصروها من ثم بالأسئلة عن «اللي حصل بالزبط»!! بعد ان غادرت المستشفى حاملة الرضيع، وبدورها حاولت المراوغة ولكن حججها وأسانيدها بأن الطفل اختفى في ظروف تجهلها، كانت ضعيفة لأنها لم تسجل بلاغا بفقدانه إلا بعد ان جاء الأب (زوجها سابقا) ليسأل عنه ويراه.

وبعد أن زنقوها زنقة حرامي افتضح أمره في المولد، اعترفت بأنها باعت حسام لسيدة عرضت عليها 600 جنيه (هذه واقعة أنقلها من قصاصة من صحيفة مصرية بلا تاريخ واسم السيدة وطفلها بالكامل مذكوران فيها). هل تحس بالقرف لأنها باعته بثمن بخس (وهل كنت ستجد لها العذر -إلى حد ما إذا كنت مثلها بلا قلب- لو باعته مثلا بـ ستين ألف دولار؟). طيب ما قولك في ان الستمائة جنيه هذه كانت بالتقسيط ولم تتسلم منها سوى القسط الأول البالغ مائتي جنيه؟ وبررت ذلك بأنها كانت «مزنوقة في قرشين»، ولم تكن تعرف شيئا عن السيدة التي اشترت منها حسام وبالتالي فشلت في تسلم بقية أقساط الصفقة!! وبيت القصيد هنا «مزنوقة في قرشين» أي في الحاجة الماسة إلى المال! إذا باع شخص ما قطعة من كبده ولحمه ودمه بنحو 30 أو 40 دولارا فبكم يبيع شرفه!! هناك الفقير الذي يبيع كلية او قرنية، بسبب زنقة مالية (وهذا أيضا انحطاط خلقي)، ولكن نصف سكان العالم فقراء، والفقراء هم الأكثر إنجابا وتمسكا بالروابط العائلية. والفقر آفة ومذلة والجوع كافر، ولكن قمة الذل والمرض والجحود أن تتاجر بعيالك.

هناك من يتعلل بالفقر ويسمح لبنات العائلة بممارسة الرذيلة الكاملة التي هي الدعارة أو «الجزئية» بالرقص الخليع والتعري نظير أجر، وللذكور بالتسول أو السرقة او الاتجار في المواد الممنوعة، ولكن هؤلاء هم الاستثناء، ومعظم الفقراء في بلداننا يعيشون بـ«شرف»: يلبسون الأسمال ويلتحفون الأرض ويبيتون على الطوى و... «تجوع الحرة ولا تأكل بثديها» مقولة صاغها الأجداد قبل أكثر من ألف سنة وهم يأكلون الجراد والجيف.

وأحقر من الفقير الذي يبيع الابن أو البنت، ميسور الحال نسبيا الذي يلعق الأحذية ويطأطئ الرأس تملقا وتزلفا لنيل مكسب مادي بلا اعتبار لحسابات الكرامة، وهذه عينة موجودة «بكثرة» ويرى بعضهم الخيط السميك الذي يفصل بين الحرام والحلال، ولكنه يتجاهل وجوده، فهي فئة لها وجوه ككعوب الأحذية لا تخرج منها نقطة ماء حتى لو ظللت تعصرها بالمطرقة والسندان شهرين، و«إذا لم تستح فافعل ما شئت»، وهذا هو الثيرمومتر الذي يصلح في كل الأحوال للحكم على الناس بسلوكهم.. إذا سقط الحياء يكون السقوط عموديا.. الإنسان الذي لا يعرف «العيب»، يكون أقرب إلى الحيوان غير المستأنس منه للإنسان.. وحتى بعض الحيوانات المتوحشة لا تعتدي على بني جنسها، في حين ان قليل الحياء الذي لا يعرف العيب لا يرى ضيرا في أكل إخوته.. ومن يجعل للمال قيمة فوق القيم الأخلاقية يصبح بهيمة مسعورة مثل تلك السيدة التي باعت ابنها ببلاش وبالأقساط.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news