العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مرئيات أولية في استراتيجية الاتحاد الـعــربي للـتـنـمية والـتكامل الاقتصادي (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ١٢ ٢٠١٩ - 01:00

كثيرة هي الأدبيات الاقتصادية والفكرية والسياسية التي تؤكد على اهمية التكامل الاقتصادي العربي للخروج من الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، لا بل انه عد بمثابة أهم الاستراتيجيات التي يمكن ان تعتمدها الدول العربية للانطلاق نحو التطور والتنمية المستدامة، سيما وان التنظيمات التكاملية الأوروبية والأمريكية والآسيوية لا بل حتى الإفريقية أعطت نتائج إيجابية مهمة وساهمت في صعود اقتصادات البلدان المنضوية تحتها، ومكنتها من مواجهة التحديات والأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت بالعالم مرات عديدة، وما كان ذلك الا نتاج إرادة سياسية قوية تنطلق من المصلحة الإقليمية الأشمل على حساب المصلحة القومية أو الوطنية الضيقة. فيما نجد اننا في الوطن العربي على الرغم من تأسيس العديد من الأطر المؤسسية الرسمية لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي والإقليمي، الا اننا لم نصل إلى ما يجب أن نصل اليه، ولم نرتقِ بالمؤسسات التكاملية العربية إلى مستوى ما وصل اليه الاوربيون أو الآسيويون أو غيرهم. وبعد تنامي التحديات المالية والاقتصادية التي عصفت بالدول العربية ولا سيما بعد انخفاض أسعار النفط عام 2014م، وحالة الانهيار الكبيرة التي حلت بعدد من الدول العربية بسبب ما سمي جزافا بالربيع العربي، تعالت مرة اخرى أصوات الداعين إلى التكامل الاقتصادي العربي باعتباره قرارا، لا بديل عنه، لتجاوز ازمة التنمية العربية الراهنة من جانب، ومن جانب آخر تأتي اتساقًا مع سعي الدول العربية لمواكبة الاهتمامات الدولية في مجال التنمية وإنفاذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030م، بالإضافة إلى ما تمثله المتغيرات الديمغرافية من تحد كبير يواجه الدول العربية في المستقبل القريب، حيث ترتفع معدلات النمو السكاني، وتزداد نسبة الشباب، علاوة على التحديات التقنية المتسارعة التي تواجه البلاد العربية وتتطلب مواكبتها ان لم يكن سبقها. الامر الذي وضع الدول العربية امام حتمية تاريخية جديدة تتمثل بضرورة صياغة نموذج تنموي جديد يلائم تلكم التطورات ويستجيب لطموحات جيل الشباب، وذلك يصعب ان لم يكن من المحال تحقيقه في ظل الواقع التنموي العربي الراهن، الأمر الذي دفع مجموعة من الشباب العربي المتسلح بالعلم والمعرفة، وهاجسه الوحيد خدمة حاضر ومستقبل امته العربية، إلى الدعوة لتأسيس اتحاد عربي نوعي يسعى لتحقيق التنمية والتكامل الاقتصادي، فعقد الاجتماع التأسيسي الأول والمؤتمر التأسيسي بتاريخ الخامس عشر من مايو 2015م بمباركة ودعم من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ليتم اشهار الاتحاد العربي للتنمية والتكامل الاقتصادي تحت مظلة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية.

 ولأجل ان يحقق الاتحاد ما عجزت عنه التجارب التكاملية التي سبقته، بدأ بدراسة معمقة لعوامل فشل تلكم التجارب، وعناصر نجاح التجارب العالمية الاخرى ومقومات ديمومتها، وتنامي إنجازاتها، فوجد ان العامل الرئيس لفشل التجارب التكاملية الاقتصادية العربية انها كانت رهينة للقرارات السياسية للدول العربية، وبالتالي فإن الخلاف السياسي بين دولتين كفيل بقطع التعاون الاقتصادي بينهما، ان لم يكن قلعه من الجذور، بينما في دول العالم التي نجح التكامل الاقتصادي بينها، كان هناك تحييد للخلافات السياسية والفكرية عن المؤسسات الاقتصادية التكاملية، ولأن ذلك يصعب تحقيقه على الصعد الرسمية العربية فقد وجد الاتحاد العربي للتنمية والتكامل الاقتصادي ان تحقيق التكامل ينبغي ان يبنى على قاعدة شعبية ومؤسسية خاصة، وان لا يكون رهينة لمواقف الحكومات العربية، ومرئياتها، ويتضح ذلك في اهدافه واساليب تحقيقها حيث نصت المادة (5) على «يهــدف الاتحاد بصورة أساسية إلى تنمية ودعم التنمية والتكامل الاقتصادي بين الــدول العربيــة في وضع السياسات العامة العربية وتطويرها لخدمة هذه التنمية بحيث تصب في مصلحة الاقتصاد والتنمية في الدول العربية، خاصة رجال الأعمال والشباب وتطوير فكرهم وتدريبهم والوقوف بجانبهم حتى يقوموا على مشاريعهم الخاصة التي تدعم بدورها اقتصاد الدول العربية داخليًا، ويقوم الاتحاد بالرقابة على تلك المشروعات كجهاز رقابي محايد داخل دول الاتحاد». ويسعى الاتحاد إلى تنمية وتطوير التجارة والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية، وإزالة العوائق والصعوبات التي تواجه المشروعات الخاصة، وتسهيل تبادل منتجاتها داخل الدول العربية، وتوفير مختلف انماط الدعم لها، وتدريب الشباب وتحفيزهم على المبادرة والابداع التقني والاقتصادي، وتأهيلهم من خلال المشاركة في مؤتمرات نوعية ينظمها الاتحاد في جميع الدول العربية، وتسهيل التبادل التجاري وانسياب السلع ذات المنشأ العربي، وذلك من خلال دراسة الأسواق العربية، وتوفير البيانات والمعلومات التسويقية والاقتصادية عنها، وتنمية وتطوير التجارة العربية البينية والتجارة الخارجية العربية، وتنظيم المعارض النوعية المتخصصة بالمنتجات العربية داخل وخارج الوطن العربي، وإنشاء موقع إلكتروني لتفعيل الروابط بين الشباب العربي والمنشآت التجارية والصناعية بالوطن العربي، والعمل على تنظيم الاستثمارات العربية لقطاع الاعمال الخاص في المجالات التي تخدم الاقتصاد العربي، وفي ضوء معطيات الثورة الصناعية الرابعة، والحرص على تشغيل الشباب العربي المؤهل، واحلالهم بدلا عن العمالة الوافدة في الدول قليلة السكان. وتوفير الخدمات اللوجستية المعلوماتية والاتصالية والتقنية للمشروعات الخاصة، ومساعدتها على تصدير منتجاتها إلى الاسواق العربية والاسواق الخارجية، فضلا عن الخدمات المتعلقة بالنقل والتعبئة والتغليف وتحويل وضمان الصادرات، والبحث المنظم عن الفرص التسويقية والتصديرية والاستثمارية بالأسواق العربية، وإصـدار دليـل بالداعميـن للتنمية في المجالات التمويلية والاستشارية والتقنية، مـن دول وهيئات حكومية، وهيئات مستقلة، عربية ودولية، ورجال أعمال من الدول العربية واتاحتها لأعضائه. ومساعدتهم في الحصول على الدعم الذي يسهم في تنمية وتطوير مشروعاتهم وتمكين منتجاتها من المنافسة في الاسواق العربية والعالمية. كما يتضح الاسلوب التنموي التكاملي الجديد والمميز الذي يعتمده الاتحاد من خلال هيكل عضويته، حيث نصت المادة (6) من نظامه الداخلي على ان عضوية الاتحاد تتألف من المستويات الآتية: 

أ‌- العضو العامل: وتضم الاتحادات والشركات والمؤسسات العربية الصناعية، والتجارية والشركات والمؤسسات الداعمة للمشاريع. ب- العضو المنتسب: وتضم الهيئات والمؤسسات والمكاتب التي تختص بتأسيس وتنفيذ الأعمال التي تتصل مباشرة بنشاط الاتحاد، بالإضافة إلى المكاتب الاستشارية العربية والغرف التجارية والصناعية. جـ- العضو المراقب: يقبل كعضو مراقب كل من- مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، والمنظمات والاتحادات والشركات العربية ذات الصلة بأهداف الاتحاد من غير الأعضاء العاملين. د- العضو الشرفي: يقبل كعضو شرفي كل من الشخصيات العامة ورجال الأعمال وأصحاب الهيئات والمؤسسات الداعمة للمشروعات والتجارة من غير الأعضاء. 

ان خلاصة ما يمكن ان نقول عن الاتحاد العربي للتنمية والتكامل الاقتصادي انه وليد جديد ناشئ من رحم الشعور الشعبي بأهمية التنمية المستدامة والتكامل الاقتصادي العربي، مفعم بطموحات كبيرة لكنها ممكنة التحقيق، إذا ما توكلنا على الله جل في علاه، وتسلحنا بالإرادة الشعبية العربية وتجاوزنا مخاوف تكرار واستنساخ التجارب التكاملية السابقة، وابتدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتحررنا ولو نسبيا من دثار الاتكال على المبادرات الحكومية، على الرغم من ضرورة التعاون والتنسيق مع الهيئات الحكومية ذات الصلة بأهدافه ونشاطاته.

لقد تمكن مؤسسو الاتحاد من الخروج من صندوق التنمية والتكامل المعتاد، واتاحوا الريادة والقيادة للقطاع الخاص، والمبادرة والابداع للشباب، فهم مصدر النهضة القادم وهدفها المنشود. آملين منهم جميعا افرادا ومؤسسات وتنظيمات مهنية الإسراع في الانضواء تحت خيمة الاتحاد والبحث في فتح فروع له في جميع الدول العربية. ولا يسعنا الا وان نقدم اطيب التهاني واسمى التبريكات لرئيس الاتحاد الدكتور فواز الشهري، وأمينه العام الدكتور أحمد الجنابي، ونبارك جهودهما المخلصة في اشهار الاتحاد العربي للتنمية والتكامل الاقتصادي والسعي إلى ترصين انطلاقته وتنظيم نشاطاته وتفعيل مبادراته ، ومن الله التوفيق. 

 ‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news