العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

روسيا وأوكرانيا... ثقب في جدار الأزمة

أحدثت كل من روسيا وأوكرانيا ثقبا صغيرا في جدار الصد والمقاطعة التي تخيم على العلاقات بين البلدين منذ عام 2014 بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني المنتخب والموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش حيث تبادل البلدان إطلاق سراح 35 شخصا محتجزا لدى كل طرف في عملية اعتبرها المراقبون خطوة أولى على طريق فتح حوار مباشر بين العاصمتين والذي توقف لأسباب عديدة منها الصراع المسلح في شرق أوكرانيا الذي تقطنه أغلبية ناطقة باللغة الروسية وكذلك الانقلاب الذي نفذ ضد الرئيس الموالي لروسيا حيث تتهم موسكو الغرب بدعم الانقلاب في مسعى لإخراج أوكرانيا من الفلك الروسي وإلحاقها بالمنظومة الغربية التي تناصب روسيا التحدي والمواجهة السياسية في الفضاء السوفيتي السابق.

دخلت العلاقات الروسية الأوكرانية منعطفا خطيرا وحادا جدا بعد عودة شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي إثر تصويت أجري في شبه الجزيرة بعد الانقلاب الأوكراني عام 2014 حيث صوت السكان بنسبة 96.77 بالمائة في استفتاء لصالح الانضمام إلى روسيا، وهو الاستفتاء الذي اعتبرته الدول الغربية ومعها أوكرانيا بطبيعة الحال «غير شرعي»، لكن موسكو لم تأبه لهذا الرفض وأكدت حق سكان شبه الجزيرة في تقرير مصيرهم، وأن الاستفتاء جرى في أجواء من الشفافية التامة ولم تشبه أي عمليات تزوير، بل على العكس من ذلك -بحسب رأي موسكو- أن سكان شبه الجزيرة كانوا سعداء بالعودة إلى حضن الوطن التاريخي. 

من حيث الحقائق التاريخية التي يعرفها جميع المطلعين على تاريخ شبه الجزيرة المذكورة فإنها -أي القرم- لم تكن يوما أرضا أوكرانية على الإطلاق، إذ إن الإمبراطورية الروسية سيطرت على القرم وضمتها إبان حكم كاثرين العظيمة في عام 1783، وظلت جزءا من روسيا إلى عام 1954 عندما قام الزعيم السوفيتي الراحل نيكيتا خروشوف بإهدائها إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية آنذاك «من أجل تعزيز الوحدة بين الروس والأوكرانيين»، لكن سكان شبه الجزيرة، وخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بقوا يحنون للعودة إلى وطنهم الأم، ثم جاء الانقلاب الأوكراني وسيطرة اليمين المتطرف في كييف على السلطة بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير» وعجلت انضمام شبه الجزيرة إلى روسيا.

بالعودة إلى خطوة تبادل المعتقلين بين البلدين، فإن هذه الخطوة لاقت ترحيبا ليس في الأوساط الرسيمة والشعبية في البلدين، بل لدى الدول الغربية ذاتها (فرنسا وألمانيا) إلى جانب روسيا التي تسعى إلى حل النزاع الدموي في شرق أوكرانيا حيث يلقى سكان تلك المناطق وهم الناطقون باللغة الروسية دعما معنويا وسياسيا قويا من روسيا، التي أكدت أكثر من مرة أنها ستدافع عن أبنائها الناطقين باللغة الروسية في وجه السياسة اليمينية المتطرفة التي انتهجها الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته مؤخرا فيكتور يوشينكو، كما جاءت هذه الخطوة (تبادل الموقوفين) بعد التصريحات «الودية» التي صدرت عن الرئيس الأوكراني الجديد فلاديمير زيلينسكي بشأن العلاقة مع روسيا والصراع المسلح في شرق البلاد.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا كتبت على صفحتها في «فيسبوك»: «هذه الخطوة مهمة للغاية، ومن الضروري الحفاظ على هذا السعي لحل القضايا بأكبر قدر ممكن بدلا من تعقيدها، لتؤتي الإرادة السياسية والعمل المنتظم والدقيق ثمارها». هذا التفاؤل الذي أبدته المسؤولة الروسية نابع من كون العلاقات بين البلدين تمر بتعقيدات كثيرة وحادة أيضا، فسياسة الرئيس السابق تركت إرثا ثقيلا على هذه العلاقات، يضاف إلى ذلك الضغوط التي تتعرض لها كييف من جانب القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لإبقاء الخلافات الروسية الأوكرانية متوترة في أطار سياسة تطويق روسيا بواسطة عدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

العلاقات بين الشعبين الروسي والأوكراني هي علاقات متداخلة دينيا ووطنيا، والتداخل بين الشعبين عميق جدا يضرب جذوره في عمق آلاف السنين في إطار الإمبراطورية الروسية ومن بعدها الاتحاد السوفيتي السابق، واستمرت هذه العلاقات بحالتها «الطبيعية» حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكانت أوكرانيا من ضمن مجموعة الدول المستقلة التي شكلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من جميع الجمهوريات باستثناء جمهوريات بحر البلطيق وهي لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، لكن العلاقات تدهورت ووصلت إلى حد العداء المعلن بين الدولتين بعد الانقلاب الذي وقع في كييف عام 2014.

خطوة الإفراج عن المعتقلين لدى البلدين، وإن كانت ذات ابعاد إنسانية وحقوقية ظاهرة، إلا أنها في الوقت نفسه تحمل مغزى سياسيا، وجاءت بعد التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأوكراني الجديد فلاديمير زيلينسكي بشأن حل النزاع المسلح شرق البلاد، وكذلك بعد الاتصالات الهاتفية بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هل تشهد العلاقات بين البلدين دفعة سياسية وخاصة ان عودة شبه جزيرة القرم إلى قوام روسيا الاتحادية سوف تبقى عقبة كأداء في طريق هذه العلاقات، إذ من الصعب -إن لم يكن مستحيلا- على روسيا أن تقبل بعودة شبه الجزيرة إلى وضعها الذي كانت عليه قبل استفتاء الانضمام إلى روسيا، والأمر ينطبق أيضا على أوكرانيا التي تعتبر شبه الجزيرة أرضا «محتلة»، لكن في السياسة والمصالح كل شيء قابل للتغير.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news