العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

ألمانيا تبحث عن الوحدة بعد 30 سنة من الوحدة

بقلم: آنا سوبري

الثلاثاء ١٠ ٢٠١٩ - 11:21

 

تحتفل ألمانيا يوم 30 نوفمبر 2019 بالذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين في سنة 1989، وهو ما مهد السبيل إلى توحيد شطري ألمانيا. لن يكون هناك أي احتفاء بالذكرى كما أن الاحتفالات بهذه المناسبة ستكون في حدودها الدنيا. فقد أصبحت ألمانيا اليوم مقسمة من جديد على طول الحدود الفاصلة ما بين الشرق والغرب. نتيجة ذلك، فإن الرواية حول حقيقة ما حدث في سنوات ما بعد سقوط جدار برلين في سنة 1989 قد بدأت تتغير بدورها. 

خلال السنوات القليلة الماضية، وعندما كانت بلادي تحتفل بالذكري الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين سنة 1989 وتوحيد الألمانيتين سنة 1990 كان المزاج الرسمي السائد يشي بكثير من الأمل والشعور بنشوة الانتصار. 

كان يواخيم غوك يتولى مقاليد الرئاسة في برلين وهو رجل دين ينحدر من ألمانيا الشرقية سابقا، وقد اسهم في تقويض النظام الشيوعي كما أنه أشرف بعد ذلك على فتح أرشيف جهاز «ستازي» وقد أغدق بكلمات الاشادة على سكان ألمانيا الشرقية وحيا فيهم «توقهم للحرية» وصمودهم في وجه «القمع»، بل إنه قال إن ما حدث في ألمانيا الشرقية يندرج ضمن تقاليد وقيم الثورة الفرنسية. تحدث يواخيم غوك بعد مرور سنة واحدة بكثير من الأمل والتفاؤل عن توحيد شطري ألمانيا، وقد ذكر أن الفوارق ما بين ألمانيا الغربية والشرقية ستتقلص.

لم يكن يواخيم غوك مخطئا تماما. خلال السنوات الانتقالية ما بعد انهيار جدار برلين، حيث تفاقمت البطالة واشتدت الأزمة الاجتماعية عقب انهيار اقتصاد الدولة الاشتراكية، كما تباطأ الاقتصاد في شرق ألمانيا وتراجعت المؤشرات. 

كانت الهويات الإقليمية في الماضي منقسمة ما بين ألمانيا الشرقية والغربية غير أنها بدأت بعد ذلك تخف وطأتها. أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد ألينباخ أنه منذ سنة 2000 ازداد عدد الناس من جانبي الحدود، الذين يعتبرون أنفسهم من ذوي «الهوية الألمانية». 

جاءت بعد ذلك أزمة الهجرة. فقد عبر الألمان عبر البلاد عن غضبهم العارم عقب القرار الذي اتخذته المستشارة أنجيلا ميركل في شهر سبتمبر من سنة 2015 بالسماح لأكثر من مليون لاجئ بالدخول الى الأراضي الألمانية غير ردود الفعل الغاضبة التي كانت أكثر حدة في ألمانيا الشرقية. ففي منطقة كلوزنيتز حاول تجمهر عدد كبير من الناس منع مجموعة جديدة من المهاجرين القادمين من النزول من حافلاتهم. أما في مدينة دريسدن فقد حمل أحد المتظاهرين مقصلة رمزية وراح يتجول بها في الشارع. 

مرت تلك الأزمة وهدأت الاحتجاجات الغاصبة غير أن الجراح تحولت إلى دعم كبير لتيار «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف والمعادي للهجرة والمهاجرين والأجانب، وقد حقق هذا الحزب المتطرف نتائج مهمة في الانتحابات. 

في الوقت نفسه أظهرت نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه نفس المعهد في الفترة القليلة الماضية أن الناخبين الألمان في بعض الأماكن المهمة مثل براندجنبورغ وساكسوني يشعرون بأنهم ألمان شرقيون، فيما اعتبر 71% من الألمان الغربيين أنفسهم ألمان في مقابل 44% فقط من الألمان الشرقيين أنهم «ألمان». 

لم تتسبب أزمة المهاجرين أو استمرار الفوارق الاقتصادية في إثارة هذه الانقسامات. فأسباب هذه الأزمة عميقة غير أن فهم هذه الأسباب يتطلب مراجعة الرواية التي سادت فترة ما بعد سقوط جدار برلين سنة 1989. 

تعتبر الرواية التي ظلت سائدة حتى الآن أن ثورة 1989 قد بدأت من الشارع، وأن الألمان الشرقيين قد سئموا العيش في ظل نظام استبدادي شمولي. في مقال له في صحيفة ذا فرانكفورتر الواسعة الانتشار في ألمانيا، اعتبر المؤرخ إيلكو ساشا أن مجموعة صغيرة من النشطاء هم الذين قادوا الثورة وأن «المواطنين العاديين» كانوا يتابعون ما يحدث من وراء ستائر منازلهم وينتظرون ما قد يؤول إليه الأمر. 

قد يبدو هذا الجدل التاريخي مجرد خلاف أكاديمي يثير في الحقيقة الكثير من الإشكاليات والتساؤلات الجوهرية التي تتعلق بهوية ألمانيا ما بعد نهاية الحقبة الشيوعية؟ كم كانت نسبة الألمان الشرقيين الذين كانوا حقا في هذه الثورة؟ كم عدد الألمان الذين سئموا هويتهم باعتبارهم من «الألمان الشرقيين» وسعوا بالتالي إلى تحقيق الوحدة مع ألمانيا الغربية؟ هل كان يواكيم غوك على حق عندما اعتبر أن الألمان الشرقيين قد «أطاحوا» بقامعيهم أم هل كانوا مجرد مشاركين سلبيين والذين اكتشفوا بعد ذلك معاناتهم الكبيرة وتفككهم الذي أخرجهم من سياق التاريخ؟ 

حدث نفس الشيء خلال أزمة المهاجرين: فقد شعر الألمان الشرقيون مرة أخرى أن التاريخ يكتب من دون أن يسألهم أي أحد عن رأيهم. لقد سئموا الأمر هذه المرة وقرروا الخروج من سلبيتهم بعد أن دفنوا غضبهم ومخاوفهم على مدى ثلاثة عقود حتى تحول كل ذلك الى تيار قومي متطرف ومناهض للأجانب. 

إن هذه الرواية التاريخية لما حدث عقب سقوط جدار برلين سنة 1989 غير مكتملة الأركان بدورها، غير أن حزب البديل اليميني المتطرف هو الذي يستغل اليوم هذه الرواية. فقد راح يحشد الناخبين ويطالبهم بضرورة العمل على «استكمال الثورة»، ليعطي بالتالي الانطباع بأنه مهما كانت المشاكل التي عانى منها الألمان الشرقيون منذ سنة 1989 فإن استكمال الانتفاضة هو الكفيل بجبر كل الأضرار. بل إن شعار «نحن الشعب» الذي يعتبر أشهر الشعارات التي رفعت في مظاهرات سنة 1989 قد اتخذه هذا الحزب اليميني المتطرف شعارا له. 

لعل هذا المزاج السائد اليوم هو الذي يفسر تراجع الاهتمام بالاحتفال بهذه المناسبة. فقد تلاشت تلك الأجواء الاحتفالية وذلك الشعور بنشوة الانتصار والحديث عن الوحدة مع ازدياد الاعتراف بما عاناه الألمان الشرقيون عقب سقوط جدار برلين وانهيار منظومة الاقتصاد الاشتراكي، ذلك أيضا ما عبرت عنه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الحوار المطول الذي أجرته معها صحيفة «دي زيت». في الوقت الراهن لا توجد أي خطة في بقية ألمانيا للتعاطي مع هذا الغضب المتنامي في شرق ألمانيا. 

في سنة 2015 ألقى الرئيس الألماني يواخيم غوك خطابا اعتبر فيه أن عملية إدماج اللاجئين المتدفقين من الشرق الأوسط تشبه عملية اندماج الألمانيتين الشرقية والغربية عقب سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي سابقا. 

يومها اعتبر عملية الاندماج ما بين الألمانيتين أكثر سهولة: «الألمان الشرقيون والغربيون يتحدثون نفس اللغة وينتمون إلى نفس الثقافة ويتقاسمون نفس التاريخ».

يتضح اليوم أن الألمان الشرقيين والغربيين ليسوا كذلك. بعد مرور ثلاثين سنة على سقوط جدار برلين اكتشف الألمان أخيرا إلى أي حد نحن مختلفون، وأن الطريق مازال طويلا قبل أن نصل حقا إلى ألمانيا الواحدة، الموحدة.

‭{‬ كاتبة ألمانية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news