العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

الاستقطاب السياسي والتحولات الديمغرافية في أمريكا

بقلم: بول ماي

الثلاثاء ١٠ ٢٠١٩ - 11:16

 

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية تحولات ديمغرافية عميقة وهو ما أسهم في تفاقم حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها البلاد، كما تلعب الجذور العرقية والاثنية دورا كبيرا في التأثير إلى حد كبير على الخيارات الانتخابية. 

تشهد حملة الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي مناقشة عديد المواضيع استعدادا للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سنة 2020، حيث ركز المترشحون على وجه الخصوص على الاستراتيجية المثلى التي يمكن اعتمادها من أجل استعادة الناخبين البيض الذين يشتكون خاصة من الطبقات المتوسطة والشعبية، والذين صوتوا في أغلبيتهم الساحقة لمرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب سنة 2016 الذي استطاع إلحاق الهزيمة بمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون. 

تعتبر بعض الشخصيات البارزة من أمثال بيرني ساندرز وبي دا بلاسيو أن البرامج الاجتماعية الشاملة –مثل الرعاية الصحية للجميع– من شأنها أن تسهم في استقطاب جزء من القاعدة الانتحابية المؤيدة لدونالد ترامب. رغم أن مثل هذه الأطروحات تستند إلى منطق اقتصادي وسيوسيولوجي إلا أنها تظل غير كافية لتحقيق النتائج المرجوة. 

يعتبر المحللون والنقاد أن الناخبين الذين صوتوا لدونالد ترامب يعارضون الحزب الديمقراطي لأسباب عميقة تتعلق بالثقافة والهوية أكثر مما تتعلق بالجوانب الاقتصادية على أهميتها. يجب أن نأخذ أيضا بعين الاعتبار أهمية التحولات الديمغرافية العميقة التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن، والتي تؤثر كثيرا على التجاذبات السياسية، الأمر الذي يرخي بتداعياته على اتجاهات الرأي العام والتوجهات الانتحابية. 

تظهر المؤشرات الديمغرافية في الوقت الراهن أيضا أن شريحة الناخبين البيض – والذين يمثلون شريحة من الشرائح الاحصائية والانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية يتناقص عددها بسرعة في مقابل تنامي مختلف الأقليات العرقية والاثنية الأخرى، الأمر الذي يكون له انعكاسات انتخابية مثيرة للاهتمام. 

على قدر ما تثيره التحولات الديمغرافية من مخاوف في معسكر أنصار الرئيس دونالد ترامب فإن الديمقراطيين ينظرون إليها بكثير من الايجابية وهم يمنون النفس بأن يجنوا الحصاد. 

أظهرت البيانات الرسمية التي صدرت سنة 2018 عن مكتب الاحصاء في الولايات المتحدة الأمريكية أن نسبة السكان البيض من اجمالي سكان الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفض خلال العقود الماضية من 90% سنة 1950 إلى 60% سنة 2018 وقد تنحدر دون 50% في سنة 2045.

خلال الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها سنة 2020 سيشكل الناخبون من غير البيض (والذين سيصوتون في أغلبهم لصالح الحزب الديمقراطي) ثلث إجمالي الناخبين، كما أنهم سيشكلون نسبة 45% من الناخبين ممن هم في الشريحة العمرية 18-23.

تسمح الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء إحصائيات على أساس عرقي واثني، علما أن هذه الأرقام المذكورة أعلاه علمية ولم يطعن في صحتها أي أحد. لذلك فإن الجدل الذي تشهده الولايات المتحدة الأمريكية لا يتعلق بهذه التحولات الديمغرافية بقدر ما يتعلق الأمر بالطريقة التي يتعين أن نفهم بها تداعيات هذه التحولات الديمغرافية. 

نظر الديمقراطيون وأنصارهم بكثير من الايجابية إلى هذه التحولات الديمغرافية وهم يعتبرون أن المجتمع المتنوع اثنيا وثقافيا مطلوب أخلاقيا؛ لأنه يعكس المؤسسات التي تقوم على إشراك الجميع من دون أي إقصاء، إضافة إلى التسامح والقواسم المشتركة بين أبناء البشر. 

في سنة 2017 صرح جو بايدن الذي كان آنذاك نائبا للرئيس الأمريكي باراك أوباما قائلا: «إن موجة الهجرة ستتواصل ولن تتوقف. نحن لا نريد أيضا أن تتوقف موجة الهجرة». 

أعتقد أن هذه المسألة من الأشياء التي نفخر بها. فالناس من أمثال القوقازيين من أصل أوروبي سيشكلون أقلية مطلقة في الولايات المتحدة الأمريكية. عندها يمكن أن يشكل الأمريكيون من أصل أوروبي نسبة 50% على الأقل من إجمالي السكان في الولايات المتحدة الأمريكية. 

أعتقد أن هذه ليست مسألة سيئة. فهذا مصدر قوتنا. يمكن أن نجد الكثير من هذه التصريحات المماثلة أو الأكثر قوة في النقاشات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن سواء على أعمدة صحيفة نيويورك تايمز أو في الناشيونال جيوجرافيك وغيرها من القنوات الأخرى التي تبرز ظاهرة التنوع العرقي والاثني المتنامية من زاوية إيجابية. 

اعتبرت شبكة السي ان ان الاخبارية أن الانتخابات الرئاسية التي يخوضها الحزب الديمقراطي في الوقت الراهن هي الأكثر تنوعا في تاريخه من حيث الجذور العرقية والاثنية لمرشحيه، وهي تعكس حركية ودينامية ديمغرافية كبيرة وتطرح الكثير من التساؤلات ذات الصلة بالهويات المختلفة. 

لقد رأينا كيف أن بعض المرشحين – من أمثال بيتو أوروركي وكوري بوكر أو جوليان كاسترو يتحدثون باللغة الاسبانية، وذلك من استقطاب الناخبين الاسبان. إن هذه العناصر المختلفة تعكس هذه التحولات المهمة التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية: يسعى الديمقراطيون من هنا فصاعدا إلى تقديم مرشحين من شأنهم أن يستقطبوا أصوات أبناء الأقليات. 

هذا لا يمنع بطبيعة الحال من وجود خلافات داخلية. فعلى سبيل المثال، أبدت ماريات وليامسون تأييدها لتقديم تعويضات مالية على سبيل جبر الضرر للأمريكيين الأفارقة من أبناء العبيد، وهو ما عارضه بيرني ساندرز. أصبح الحزب الديمقراطي ينظر إليه من قبل أنصاره وخصومه على أنه يمثل «حزب الأقليات». 

بالمقابل، يتوجس الناخبون الذين صوتوا لدونالد ترامب سنة 2016 من تراجع أعداد الأمريكيين البيض وهم لا يخفون غضبهم، وهو ما عبرت عنه عالمة الاجتماع أرلي راسل هوشيلد في كتابها الجديد والمثير للجدل في الولايات المتحدة الأمريكية: «غرباء في وطنهم». يعتبر هؤلاء الناخبون أن هذه الديمغرافية تقوض هويتهم القوية الأمريكية كما أنها تمثل بحسب رأيهم قطيعة مع الهوية الثقافية الأنجلوسكسونية التي ظلت تسيطر على البلاد منذ نشأتها. 

يزداد هؤلاء الناخبون البيض أيضا تمسكا بهويتهم وانتماءاتهم العرقية والاثنية في خضم الانتقادات الموجهة إليهم من النخب الليبرالية التي تظهر قدرة أكبر على التعايش مع التنوع الذي بات سمة مميزة للمجتمع في الولايات المتحدة الأمريكية. يميل هؤلاء الناخبون البيض الى التصويت للمرشحين من أمثال دونالد ترامب والذين يبدون استعدادهم للدفاع عن وضعهم الرمزي باعتبارهم «أمريكيين حقيقيين» ضد «الأمريكيين الدخلاء». 

أجرى مركز «بيو» للبحوث والدراسات في شهر ديسمبر استطلاعا للرأي أظهرت نتائجه أن 46% من الأمريكيين البيض يعتبرون أن تحول السكان البيض إلى أقلية عددية من شأنه أن «يضعف العادات والتقاليد الأمريكية الأصيلة». 

يمكن أن نقول بكل ثقة ان هذه النسبة كانت أعلى بكثير لو أجري سبر الآراء بين أنصار الرئيس دونالد ترامب. يجب أن نلاحظ هنا هذا التشاؤم وانه أيضا 18% فقط من الأمريكيين الأفارقة و25% من الأمريكيين الذين ينحدرون من جذور إسبانية والذين يتعاملون بكل جدية مع هذه التحولات الديمغرافية التي تشق المجتمع الأمريكي.. يتعين على الحزب الجمهوري إذا أن يتعامل مع الشريحة من قاعدته الانتخابية والتي تعادي الهجرة والمهاجرين والتعددية الثقافية. 

في الماضي ظل خصوم الحزب الجمهوري يتهمون حزب «ابراهام لنكولن» بأنه حزب «الرجال البيض» غير أن هذه النزعة قد ازدادت، خاصة خلال العامين الماضيين. عقب انتخابات التجديد النصفي التي أجريت سنة 2018 حيث ازدادت نسبة الرجال البيض من الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي من 86% إلى90% فيما انخفضت هذه النسبة لدى الديمقراطيين من 41% إلى 38%. 

تعزز تجانس البيض في الحزب الجمهوري في شهر أغسطس الماضي مع إعلان ويل هيرد، وهو الجمهوري الأمريكي الوحيد من أصل إفريقي في مجلس النواب، الانسحاب من الحياة السياسية. 

خلاصة الأمر يمكن القول بأن تحليل التطورات والتغيرات الديمغرافية في الولايات المتحدة الأمريكية تظهر القوى الهيكلية العميقة التي تحرك التجاذبات الأيديولوجية الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية. 

في ظل حالة الاستقطاب الحادة ما بين الناخبين المؤيدين للحزبين الجمهوري والديمقراطي المتنافسين، فإن الخلافات ستتعمق أكثر خلال السنوات القادمة بشأن القضايا الخلافية ذات العلاقة بمسألة الهوية، مثل الهجرة والتمييز الايجابي والتعويضات المستحقة لأبناء العبيد. تؤكد الدراسات السياسية والسوسيولوجية الحديثة أن الانتماءات الاثنية أصبحت تتقاطع مع التوجهات الأيديولوجية.

 

‭{‬ مؤلف كتاب - «فلسفة التعددية الثقافية» – وكتاب «الأقليات اللغوية والمجتمع».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news