العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

التلفزيون لك أو عليك

الأيام دُوَل، ونحن بنو البشر «يدفن بعضنا بعضًا ويمشي/ أواخرنا على هام الأوالي»، فسنة الله في الكون أن يفسح القديم المجال أمام الجديد، وهكذا وبظهور القنوات الفضائية انصرف كثيرون عن وسائل التسلية الأخرى، ومنها الإذاعة ودور السينما والقراءة، ولكن هل القراءة تسلية؟ نعم فلا خير في قراءة تفتقر إلى عنصر الامتاع، والانسان السوي إذا لم يجد فيما يقرأه تسلية وتسرية تشده، فإنه ينصرف عنها، وكما هو معلوم فإن قراءة المناهج المدرسية فقط بغرض النجاح في الامتحانات يجعلها تفتقر إلى عنصر التسلية، ولهذا يتبخر معظم ما درسناه كطلاب بعد جرس نهاية الامتحانات بأسبوعين أو ثلاثة.

ما أعنيه هو أنه ما لم تجد فيما تقرأه عنصر الإمتاع، فإنك لن تهضمه أو تواصل قراءته، وهناك من يجد متعة في قراءة نظرية آينشتاين، وهناك من قرأ كتب الشيخ ابن تيمية كلها سبع مرات ويجد في كل مرة متعة جديدة، وهناك من يستمتع بقراءة كتب الرياضيات (الله يشفيهم ويعافيهم).. وما يميز المثقف عن «المتعلم» هو أن المثقف يطلع على مختلف صنوف المعرفة وتصبح القراءة عنده وسيلة التسلية الأساسية، بينما المتعلم قد يكون شخصا كل حصيلته من العلم هي القراءة والكتابة، أو من هو ليس معنيًّا كثيرا بعلم أو معرفة خارج نطاق تخصصه الأكاديمي والمهني.. وبالتالي – وفي تقديري – فهناك مهنيون على درجة عالية من الكفاءة في مجالات عملهم، ولكنهم – وبحكم أنهم انغلقوا على تخصصاتهم - لا يعرفون إلا القليل عن مجالات المعرفة والمهن والتخصصات الأخرى، وبالمقابل تجد أطباء ومحامين ومهندسين ومحاسبين من قادة الرأي ولهم صولات وجولات في منابر التنوير.

ولكن الفضائيات لهت جيلا كاملا عن القراءة، ثم جاء الإنترنت فتدنت شعبية الكتاب الورقي، حتى صار شخص مثلي يتعرض لأسئلة من نوع: كيف تطيق حمل وقراءة كتاب من 400 صفحة؟ ومن يسأل هم عيالي، ولاحظوا أنني استخدمت كلمة «لهت» التي هي من «اللهو» عند التحدث عن تأثير الفضائيات على جيل الشباب المعاصر وقطاع كبير من جيل الشياب، واللهو ليس كله سيئا فالنفس بحاجة إلى بعض اللهو والترويح، ومن معاني لهى يلهو «صرف النفس عن الشيء»، واستخدمت الكلمة هنا للقول ان التلفزيون صرف الكثيرين عن القراءة، ومع هذا فلست من «معارضي» التلفزيون، بل أعتقد أنه أهم أداة تنوير منذ اختراع الطباعة، والتلفزيون علم الناس أن لهم حقوقا، وله القدرة على توصيل المعلومة التي قد تكسبها من كتاب في ساعتين في خمس دقائق، ولولاه – مثلا- لما كان جيل الشباب أقل إقبالا على التدخين من جيل «الشياب».

 وفي تقديري فإن العبرة بـ«ماذا تشاهد؟» على الشاشة: همك الأساسي والوحيد هو المسلسلات العربية والتركية؟ مرحبا بك في «محو الأمية»! كل علاقتك بالتلفزيون هي الأغاني؟ ليس هذا دليلا على حبك للموسيقى فعاشق الموسيقى الحقيقي يفضل سماعها على شريط أو قرص صوتي. وهل أنت متعلق بشكل من يغني وبأشكال من يحيطون به/ بها؟ إذا أنت هوائي، ولا يعني هذا أنني اعتبر مدمني المسلسلات المهندية والأغاني جهلة أو «هايفين»،.. حاشا.. هم فقط لا يعطون اهتماما كافيا لغذاء العقل الذي يوفره التلفزيون في جرعات مكثفة ويعطون الأولوية للفرفشة ذات التأثير الوقتي القصير الأمد، والإفراط في أي وكل شيء ضار بالصحة النفسية أو العضوية، فحتى الماء إذا أفرطت في تناوله يسبب لك متاعب صحية جمة. وبالتالي فإن إدمان مشاهدة البرامج التلفزيونية الثقافية والعلمية ضار بالصحة والثقافة والعلم.

والشاهد: منافع التلفزيون أكثر من مضاره، وفي عصر عولمة الفضاء فإن من لا يملكون خطوط دفاع قوية «يروحون فيها»؛ فإذا كان عودك الثقافي والأخلاقي هشا فإنك ستجعل «مهند» مثلك الأعلى في العلاقات العاطفية.. وتثقب شفتك السفلى وتضع فيها قرطا.. ولا تقيم وزنا لقريب أو جار.. أما إذا كنت تقف على أرض صلبة فسترى العجب العجاب من دون أن تفقد القدرة على التمييز بين المايوه والحجاب.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news