العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

بعد مائة عام.. مازالت مَورُوثات ماري كوري مشعة!

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الثلاثاء ١٠ ٢٠١٩ - 01:00

ماري كوري (Marie Curie) هي العالمة والباحثة البولندية الفرنسية التي حققت الكثير من الأرقام القياسية خلال عمرها الذي استمر 67 عاما، فهي أول امرأة تنال جائزة نوبل، وهي الشخصية الوحيدة التي نالت جائزة نوبل في تخصصين مختلفين هما الفيزياء والكيمياء، وهي أول من سبر غور ظاهرة الإشعاع بشكلٍ عام وقدَّمت التفسير العلمي الصحيح لانبعاث الإشعاعات من العناصر المشعة، وهي من اكتشفت عنصرين مشعين هما الراديوم والبولونيوم، وكانت الرائدة في تطوير استخدام العناصر المشعة في العلاجات الطبية كاستخدام الراديوم المشع لعلاج مرضى السرطان، كما أنها طورت جهاز الأشعة السينية، أو المعروفة بأشعة إكس، وهي أول من حصلت على درجة الأستاذية (البروفيسور) من جامعة باريس.

كل هذه الاكتشافات العظيمة والإنجازات الفريدة حققتها جزئيا في المختبر الذي قامت بتأسيسه عام 1925 جامعة باريس ومعهد باستير في الحي اللاتيني في قرية (Arcueil) جنوب باريس، حيث كانت تعمل في معهد الراديوم، وهذا المختبر مازال موجودا في مكانه ولم يطرأ عليه أي تغيير، ولكن السلطات الفرنسية الصحية وضعت الشمع الأحمر على أبواب المختبر عام 1978، وأغلقت كليا الشارع المؤدي إلى المختبر على المشاة والسيارات، كما قامت بإنشاء جدارٍ خرساني مرتفع حول المختبر، ووضعت الأسلاك الشائكة فوقه، إضافة إلى وضع كاميرات المراقبة والاستكشاف المستمرة. 

فما هو سر قيام هذه الجهة المعنية بالصحة بكل هذه الإجراءات الصارمة والاحتياطات المشددة، وكأنه موقع أمني، أو ثكنة عسكرية لا يقترب منها أحد؟ 

يرجع السبب في اتخاذ مثل هذه الإجراءات الأمنية إلى أن أبحاث هذه العالمة الفذَّة كانت تدور حول استخلاص العناصر المشعة مثل الراديوم من المواد الخام، ولذلك فقد كانت تتعامل يوميا مع الإشعاع والمواد المشعة، ما أدى إلى تلوثٍ إشعاعي شمل المختبر برمته، من الأوراق، والملفات، والكتب، والأثاث، حتى أن الملوثات الإشعاعية ضربت أطنابها في كل ما هو موجود في المختبر، وفي هواء المختبر في الداخل وفي المنطقة المحيطة به، وفي التربة والنباتات المزروعة حول المختبر، وعندما تم اكتشاف هذه الظاهرة البيئية الصحية المرضية تم إغلاق المختبر وتثبيت إجراءات الأمن والسلامة من الإشعاع، ومن هذه الإجراءات الدورية القيام بتحاليل مستمرة لنسبة الإشعاع في المختبر، وفي الهواء الجوي حول المختبر، إضافة إلى مراقبة درجة الإشعاع في ماء النهر بالقرب من المختبر وفي النباتات المحيطة بالمختبر.

وتأكيدا لواقعية هذه الحالة فقد أُجريت العديد من الدراسات الميدانية، منها البحث المنشور في مجلة العلوم في الثامن من يوليو عام 2015 تحت عنوان: «الأوراق البحثية لماري كوري مازالت مشعة بعد أكثر من مائة عام»، فقد اكتشف الباحثون أن كل شيء متعلق بها لا يزال مشعًا؛ من مذكراتها البحثية، وملابسها التي كانت ترتديها، كما أكدوا أن هذه الموروثات والمخلفات التي تركتها ستظل مشعة أكثر من 1500 سنة، كما أكد استمرارية هذه الحالة حتى يومنا هذا التقرير المنشور من وكالة بلومبرج في الثاني من سبتمبر من العام الحالي، وأفاد التقرير أيضا بأن كلفة التنظيف وإعادة التأهيل والتخلص من الإشعاع الذي بدأ منذ إغلاق المختبر بلغت حتى الآن قرابة 15 مليون دولار. 

والآن إذا رغب أي باحثٍ النظر والاطلاع على أوراق ماري كوري العلمية التي كتبتها بيديها فعليه أن يحصل على رخصة خاصة ويتعهد فيها بتحمل المسؤولية عن أي عواقب صحية قد تنجم عن لمس هذه الأوراق، وأن يوقع على ورقة تشهد بموافقته، ثم بعد كل هذه الإجراءات الصارمة والمشددة تُقدم له أبحاثها الموضوعة في صندوق محكم من الرصاص. 

فهذه المخلفات المشعة الموجودة في مختبر ماري كوري ما هي إلا مثال واضح وملموس على وجود المخلفات المشعة أمامنا كواقع لا يمكن تجنبه، أو إهماله والفرار منه، فالمخلفات المشعة التي أُطلق عليها «مخلفات الدمار الشامل» هي الآن كالقنابل الذرية الموقوتة الموجودة في مواقع أخرى وبكميات مهولة تهدد حياة كل إنسان على وجه الأرض، فهي موجودة في كل الدول التي قامت بتجارب نووية، أو أَنتجتْ قنابل وأسلحة ذرية، أو صنعت سفنا وغواصات تعمل بالطاقة الذرية، أو قامت بتوليد الطاقة والكهرباء باستخدام الوقود النووي في المفاعلات النووية. 

فمخلفات الدمار الشامل موجودة الآن في أرض الولايات المتحدة الأمريكية وفي أعماق أرضها السحيقة في الكثير من المواقع المختلفة، وهي موجودة أيضا في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وفنلندا، وروسيا، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وفي الهند، وباكستان، واليابان، وأستراليا، وفي القريب العاجل بعد تشغيل المفاعلات النووية في بعض الدول العربية ستكون هناك مخلفات الوقود النووي المستنفد، التي حتما ستتراكم عاما بعد عام بعد أن تُستهلك طاقتها الإشعاعية وتستنفد قوتها، فتبقى مشعة بدرجة منخفضة لا تصلح لتوليد الكهرباء. 

فمن الواضح إذن أن الحكومة الفرنسية عجزت على مدى أكثر من قرن عن المعالجة الجذرية للإرث الإشعاعي الذي تركته ماري كوري في مختبرها، فمازال العقل الفرنسي لا يعرف كيف يتعامل بشكلٍ نهائي مع هذه المخلفات المشعة البسيطة، فكيف ستتعامل فرنسا والدول النووية الأخرى مع عشرات الآلاف من الأطنان من مخلفات الدمار الشامل الجاثمة على أراضيها منذ عقود طويلة وينتقل علاجها من جيل إلى آخر؟

إنني أدعو مجلس الأمن إلى أن يناقش هذه القضية الدولية التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، ففي أي لحظة قد تنفجر؟

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news