العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الجالية العربية في أمريكا ورسالة الوحدة

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٠ ٢٠١٩ - 01:00

في الأسبوع الماضي، سافرت إلى مدينة دالاس لإلقاء كلمة على هامش إقامة مؤتمر العرب في ولاية تكساس. كان الحدث رائعا وقد أشعرني بالفخر بالتقدم الذي حققناه حتى الآن كما أنه كان حدثا ملهما لي شخصيا. 

اعتليت المنصة ورحت أنظر إلى الحضور الذين ناهز عددهم عشرة آلاف شخص تجمعوا في ذلك المؤتمر وقد تجدد أملي في مستقبل الجالية العربية الأمريكية. كانت تركيبة الحاضرين متنوعة جدا حيث إنها شملت الكبار والصغار والنساء اللائي يرتدين «العباءة التقليدية ونسوة أخريات يلبسن سراويل الجينز والتي شيرت، كما كان الحضور ينحدرون من أكثر من عشر دول عربية، وقد عرفت ذلك من خلال مقدم الحفل الذي راح ينادي على اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والمصريين والتونسيين وغيرهم من العرب الأمريكيين الآخرين. 

جاء بعض الحضور إلى المهرجان من أجل تذوق الأطباق الشهية التي أعدتها المطاعم العربية المحلية التي توجد بكثرة في دالاس، فيما أتي آخرون من أجل الاستمتاع بالغناء والرقص على إيقاع الدبكة العربية وحضر آخرون من أجل الجلوس في الخيمة وتدخين الأرجيلة. اما الآخرون فقد حضروا المهرجان بهدف شراء بعض المنتجات الحرفية التي تمثل تراث بعض الدول العربية غير أنهم كانوا يشعرون جميعا بالفخر بتراثهم المشترك وهم يحتفلون بتلك المناسبة الرائعة.

حضرت النائبة العربية الأمريكية مجلس النواب الأمريكي رشيدة طليب وألقت كلمة في الحاضرين تحدثت فيها عن المشاكل السياسية التي تشغل بالنا جميعا كعرب أمريكيين وكيفية معالجتها. 

أعادنا تنوع الحضور وحماسهم والتزامهم الكبير أربعين سنة إلى الوراء عندما كنت أسافر عبر الولايات المتحدة الأمريكية وأطوف أرجاءها وكنت أحيانا برفقة السيناتور السابق جيمس أبو رزق، وكنت أحيانا أخرى افعل ذلك بمفردي، حيث كنت آنذاك أعمل على تنظيم العرب الأمريكيين. لقد كنا نهدف من تلك الفكرة إلى إنشاء اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة الثلب والتمييز وهي منظمة غير طائفية تكون بمثابة المظلة التي تجمع شمل جاليتنا وتوحدهم وتشعرهم بالفخر بتراثهم العربي وتساعدهم على مكافحة التمييز والثلب الذي يستهدفهم. 

كان التجاوب مع تلك الجهود التي كنا نبذلها عظيما، حيث حرص العرب الأمريكيون على حضور مختلف المناسبات والفعاليات التي أقمناها وحرصوا على الالتحاق بمنظمتنا. لقد سئموا ما كانوا يتعرضون له كما أنهم كانوا محرجين ومستائين من الصور الإعلامية النمطية السلبية التي كانت تلصق بهم كما أنهم عبروا عن غضبهم من اقصائهم من الدوائر السياسية؛ لأنهم تجرأوا على التعبير عن آرائهم وصدحوا بمواقفهم وانتصروا للعدالة للفلسطينيين. 

لقد كان هؤلاء يمثلون الجيل الجديد من العرب الأمريكيين الشبان، الذين رفضوا الانقسامات التي ظلت تشق الأجيال القديمة من العرب الأمريكيين، حيث انهم لم يكترثوا إن كان الأمر يتعلق بالسوريين أو اللبنانيين او الفلسطينيين أو إذا كانوا مسيحيين أو مسلمين أو ما إذا كانوا يدعمون جمال عبد الناصر أو يؤيدون عبدالكريم قاسم أو أي زعيم عربي آخر. 

لقد حضروا فقط باعتبارهم من العرب الأمريكيين، بعيدا عن أي خلافات وقد كانوا يريدون إيجاد أرضية مشتركة لبناء جالية عربية أمريكية قوية من شأنها أن تعيد إليهم فخرهم بتراثهم الذي شوهته هوليوود ومن ثم الدفاع عن القضايا العادلة التي حولها البعض إلى ما يشبه المحرمات. 

لقد بنينا كل ذلك الزخم إبان الحملتين الرئاسيتين لجيسي جاكسون في سنتي 1984 و1988، وقد كانت تلك الحملة الرئاسية الوحيدة التي اعترفت بنا واحتضنتنا آنذاك وعملت على تقويتنا وإسماع صوتنا للتعبير عن مشاكلنا. عندما أنشانا المعهد العربي الأمريكي كنا نرمي إلى البناء على ما تم تحقيقه والمساهمة في زيادة أعداد الناخبين العرب الأمريكيين المسجلين والعمل على تقوية جاليتنا على الصعيد المحلي وخلق الفرص للشبان منهم في القطاع العام وانتخاب المزيد من العرب الأمريكيين في مختلف المناصب الإدارية والتعبير عن قضايانا ومشاكلنا في واشنطن. 

عندما ننظر اليوم إلى الوراء فإنني أعتقد أنه يحق للعرب الأمريكيين أن يشعروا اليوم بالفخر بما أمكن تحقيقه من تقدم وإنجازات ملموسة. لقد سُئلت عما أعتبره اكبر إنجازاتنا خلال العقود الأربعة الماضية فقلت ان هناك أمرين يجعلاني أشعر بكثير من الفخر بتراثنا - فقد أسهمنا في بناء جالية فخورة بتراثها العريق، كما أننا أسهمنا في التشجيع على خلق الفرص السانحة للشبان العرب الأمريكيين من أجل خدمة جاليتهم ودخول الخدمة العامة - سواء المناصب المنتخبة أو المناصب الحكومية أو الاضطلاع بأدوار قيادية في المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن الحقوق الأساسية.

لقد أدهش ذلك التقدم الذي كانت تحققه الجالية العربية الأمريكية أحيانا بعض الزوار القادمين من العالم العربي. زارني في مكتبي ذات مرة سفير عربي وبعد أن قمنا بجولة في المكتب قدمت له خلالها بعض الموظفين العاملين معي، بادرني بالسؤال: «كيف تنظم مكتبك؟». فأجبته بأننا نفعل ذلك على أساس الوظيفة: «لدينا وحدة معنية بتوحيد الجالية العربية ووحدة مكلفة بالعلاقة مع الحكومة الأمريكية ووحدة للبحوث..»،

قبل أن اكمل كلامي قاطعني بالقول: «كلا لست أقصد الكيفية التي تنظمون بها عملكم في مكتبكم. على سبيل المثال الرجل الذي يعمل قبالك  في مكتبك لبناني سني أم شيعي؟». عندها قلت له بصراحة إنني حتى اليوم لا أعرف ديانة موظفي رامي أو البلد الذي ينحدر منه والداه. فالمسألة لا تتعلق بانتداب في وظيفة. أنا لا أطرح عليهم أبدا مثل هذه الأسئلة، التي أعتبرها على أي حال غير ذات أهمية. 

بعد مرور بضعة أعوام أقمنا حفل العشاء السنوي «روح الإنسانية» إحياء لذكرى جبران خليل جبران، وقد منحنا جائزة الخدمة العامة لتد كاتون، وهو سفير عربي أمريكي سابق. كانت الجائزة تحمل اسم نجيب حلبي وهو من أوائل العرب الأمريكيين الذين عملوا في البيت الأبيض الأمريكي في عهد إدارة الرئيس جون كنيدي في فترة الستينيات من القرن الماضي. 

تولى وزير النقل آنذاك راي لحود تقديم الجائزة. في حفل العشاء الذي نظم في تلك المناسبة ألقيت كلمة قلت فيها: «لقد منحنا هذه الليلة جائزة تحمل اسم أمريكي من أصل سوري وقد قدمها أمريكي من أصل لبناني إلى أمريكي من أصل فلسطيني. هذه الوحدة لا يمكن أن تتحقق في العالم العربي – لكننا نجحنا وجعلنا من هذه الوحدة أمرا سائدا ومألوفا في الولايات المتحدة الأمريكية». 

هذا ما قمنا به غير أننا لن نتوقف عند هذا الحد لأننا نعيش غير الزمن ونتكيف مع التطورات والأحداث، وخاصة عندما تسعى بعض القوى إلى التهديد بتقويض ما أمكن تحقيقه بجهود مضنية. فقد تسبب الربيع العربي في تفتيت الهوية وخلق حالة من الاستقطاب السياسي وإفراز هوية دينية مسيسة، وهو ما أضر بوحدتنا التي بذلنا في سبيلها جهودا كبيرة. 

لا شك أن مثل هذه التحديات ليست بالأمر الجديد بالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا مثلنا ويلات الحرب الأهلية اللبنانية، غير أننا تعلمنا كيف ننحي خلافاتنا جانبا ونعمل على بناء جالية تشترك في هويتها المشتركة ومشاكلها التي تشغل بالها وقد نجحنا في ذلك. 

لقد كان مهرجان دالاس من الأهمية بمكان؛ لأنه انعقد في خضم هذه الأوضاع والتطورات. فقد كرس المهرجان وحدة الكثير من الجماعات المتنوعة التي تكون تركيبة جاليتنا وأبرز سعادتهم وفخرهم بالاحتفال بثقافتنا المشتركة، وأكد التزامهم بالتعبير عن مشاكلهم السياسية. لقد جاء كل ذلك ليذكرنا بأن ما يجمعنا يمكن أن يكون أقوى بكثير مما يهدد بشق صفوفنا وتفرقتنا. 

رسالتي إلى الجالية العربية الأمريكية في مدينة دالاس: كونوا فخورين وألهمونا كي نتقدم أكثر إلى الأمام.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news