العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التكنولوجيا المالية.. تأملات في الحاضر وتوقعات المستقبل (4)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ٠٩ ٢٠١٩ - 01:00

على الرغم من أنَّ تبنِّي المنتجات التكنولوجية للثورة الصناعية الرابعة يعد متأخرا في المجال المالي مقارنة بمجالات الإعلام أو التجارة أو الاتصالات. إلا أن التكنولوجيا المالية بعد أن تعافى العالم إلى حد ما من أسوأ تداعيات الأزمة المالية العالمية2008م، أصبحت إحدى أهم القضايا التي تشغل المجتمع المالي والمصرفي العالمي سواء من حيث المنافع التي توفّرها، أو بالنسبة إلى المخاطر التي تنتج عنها، لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد أساليب تقنية لتطوير الأداء المالي والمصرفي، كخيار تقني بين خيارات أخرى تملك الدول والقطاع المالي والمصرفي الحرية في اعتمادها من عدمه، بل أصبحت ضرورة لا مناص منها لاستمرار وجود ونمو القطاع المالي والمصرفي، وعنصرا مهمًّا من عناصر البيئة التنافسية التي تواجهها، وهي تحول وجوبي لا بد منه، يستوجب إعادة شاملة للهندسة المالية والمصرفية في مختلف دول العالم، وتغييرا جوهريا في وسائلها وآلياتها عبر التحول إلى الأنظمة والمنصات الرقمية التكنولوجية، والريبوتات، لتطوير أعمالها لمواكبة المعطيات التقنية المتسارعة للثورة الصناعية الرابعة، فضلا عن إيجاد البيئة التشريعية والرقابية المناسبة لها؛ أي أنها منعطف جديد للنظم المالية والمصرفية في العالم، يمتد بآثاره وعلاقاته الخلفية والأمامية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية واللوجستية والتعليمية والاجتماعية. فقد انطلقت شركات التكنولوجيا المالية الناشئة لتنتشر في أغلب دول العالم ويتوقع أنها خلال الفترة القادمة حتى عام2030م ستهيمن على المشهد المالي والمصرفي العالمي، وتقدم نمطا جديدًا ومختلفًا للخدمات المالية، وأسلوبا جديدا في التعامل مع العملاء والمستثمرين، حتى أمكن القول إنها وضعت الاقتصاد والبنوك على مختلف أنواعها أمام عصر جديد هو عصر التكنولوجيا المالية، عصر حافل بالتحديات والفرص على حد سواء. أبرز مظاهره شركات مالية خاصة ناشئة تعتمد أحدث البرامجيات والمبتكرات التكنولوجية، وتحركه قوى الرقمنة العالمية والتقدم التكنولوجي التي تعيد صياغة العديد من جوانب اقتصادات العالم ومجتمعاته.

وهنا، نحاول أن نعرف القارئ بتفاصيل ومتضمنات التكنولوجيا المالية وتأثيرها على التنمية المستدامة والمجتمع والقطاع المالي والمصرفي، وموقف الدول والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية منها. وسنركز في تحليلنا على تأثيراتها القائمة والمحتملة على دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها مراكز مالية واقتصادية ناهضة. 

نوضح في هذا المقال العوامل التي دفعت البنوك في مختلف دول العالم إلى الاهتمام بالتكنولوجيا المالية والسعي إلى إقامة تعاون وشراكات مع شركات التكنولوجيا المالية، حيث انطلقت في ذلك من إدراكها المبكر لما تمثله التكنولوجيا المالية من فرص وتحديات، إن لم تستوعبها وتتعامل معها بشفافية، وتستفيد من مبتكراتها وهندستها المالية الجديدة، فإنها ستصاب بمأزق كبير قد يؤدي إلى فقدانها لعملائها، سيما وأنها لم تزل تعاني من منافسة المؤسسات المالية غير المصرفية، فكيف سيكون الحال بشركات ناشئة جديدة تعتمد أحدث التكنولوجيات المالية. وقد تركز اهتمام البنوك بالتكنولوجيا المالية على تطبيقاتها في عمليات المدفوعات الإلكترونية والتي هي: منظومة متكاملة من الأساليب والبرامج التي تُوفرها المؤسسات المالية والمصرفية، بهدف تسهيل إجراء عمليات الدفع الإلكتروني الآمنة، وتعمل هذه المنظومة تحت مظلة من النظم والقوانين التي تضمن سرية تأمين وحماية إجراءات الشراء وضمان وصول الخدمة. وتتعدد وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة في الوقت الحاضر إلا أن أبرزها عالميا أربعة أنواع: الأول - الدفع عن طريق البطاقات مسبقة الدفع والتي هي أدوات دفع وسحب نقدي، يُصدرها بنك تجاري أو مؤسسة مالية، تُمكِّن حاملها من الشراء بالأجل بكفالة مصدرها، ومن الحصول على النقد اقتراضا من مصدرها أو من غيره بضمانه، وتُمكنه من الحصول على خدمات خاصة يحددها البنك مسبقا). 

تقوم فكرتها على أساس أن يودع العميل مبلغًا محددا في حساب بطاقته الائتمانية مسبقة الدفع، وكلما قام بعملية الشراء باستخدام هذه البطاقة يتم الخصم من الرصيد الائتماني المتوافر بها. والنوع الثاني - الدفع عن طريق المواقع الإلكترونية أو الحسابات، وهي عبارة عن خدمة لنقل الأموال عن طريق الإنترنت من طرف إلى طرف آخر، ويتم استخدامها بشكل رئيسي للتسوق الإلكتروني والشراء الآمن عن طريق الإنترنت، ومن أمثلة هذه المواقع موقع PayPal. أي إنها وسيلة دفع وإيداع ووسيلة لاستقبال الأموال، وهذه الخاصية فتحت مجالا واسعًا لانتقال الأموال من فرد إلى فرد عن طريق الإنترنت. وتعمل هذه المواقع أيضا كوسيط بين البائع والمشتري. والنوع الثالث - الدفع عن طريق الحوالات المصرفية، وهي وسيلة من وسائل الدفع الإلكتروني، تتم بناء على طلب العميل لنقل مبلغ محدد إلى شخص أو جهة أخـرى تُسمى المستفيد، وذلك سواء تم النقل من حساب إلى حساب داخل البنك نفسه أو بين فروعه، أو النقل بين بنكين مختلفين كلاهما من البلد نفسه، أو حصل بين بنكين في دولتين مختلفتين. وفي الحالة الأخيرة يترتب على العملية صرف العملة المحلية بالعملة الأجنبية المراد تسليمها للمستفيد. والنوع الرابع - الدفع عن طريق شركات التحويل، وهي عبارة عن نظام للدفع النقدي السريع يتيح إمكانية تسلم الدفعات من خلال خدمات تحويل الأموال العالمية، وذلك بتحصيلها من الوكيل المحلي للشركة المتعامل معها، في مدة يوم على الأكثر. التكنولوجيا المالية تسرع عمليات التحويل وتجعلها لحظية 

كما أنها تتطلع على نحو متزايد إلى استخدام التكنولوجيا عبر سلاسل القيم (Value chain) بأكملها، أو عبر ما يسمى بالبلوك تشين. كما يمكن لشركات التكنولوجيا المالية الناشئة مساعدة البنوك على تحسين عروضها التقليدية من خلال تطوير تطبيقات الهاتف المحمول، وتسهيل الدفعات الإلكترونية، وتصميم برامج الولاء، وتخفيض كلفة تحويل الأموال وتكاليف المعاملات الأخرى، وتوفر المنتجات المبتكرة للتكنولوجيا المالية آليات أكثر كفاءة وشفافية وفعالية من حيث الكلفة للدفع عبر الحدود من البنوك التقليدية أو شركات تحويل الأموال التي تعتمد على العلاقات المصرفية المراسلة، ويمكن أن تكون التكنولوجيا الرقابية (RegTech) أداة تغيير حقيقية للبنوك، كما أن التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية الناشئة مربح لكلا الطرفين في الوقت الحاضر على الأقل.

لكن اختيار التكنولوجيا المالية المناسبة والتطبيق الناجح لها، والاستعداد لمشاركة شركات التكنولوجيا المالية في نظم معلوماتها، لا يزال يمثل تحديًا للبنوك، خاصة تلك التي لديها ثقافة ابتكارية ضعيفة. أما بالنسبة إلى البنوك العالمية الكبيرة فهي تستخدم أساليب عديدة للتعامل مع التكنولوجيا المالية، وهي تهدف إلى خفض تكاليفها على المدى الطويل، مع الحفاظ على حصتها السوقية وذلك عبر تقديم منتجات مصرفية مبتكرة لعملائها. لكن يبقى سؤال مهم إلى أي مدى تستمر علاقات التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية الناشئة، ولا سيما في مجال نظم المعلومات الخاص بالعملاء؟ وما خاتمة التسابق بين الطرفين؟ سيما وأن ذلك السباق يحمل البنوك كلفا عالية، وليس بالضرورة أنه يؤدي إلى تعاظم أرباحها على المدى الطويل، وهل بيوت المال التي تهيمن على البنوك ستبقى راضخة للأمر الواقع ومستعدة إلى ما لانهاية لفقدان خصوصية بنوكها؟ أم أنها ستصنع أزمة مالية عالمية جديدة قاعدتها عدم الثقة بشركات التكنولوجيا المالية بغية الإطاحة بها، والعودة إلى تصدر النظام المالي والمصرفي العالمي؟ هكذا أسئلة وغيرها العديد يصعب الإجابة عليها في الوقت الحاضر لكن تبقى نتائجها الاحتمالية واردة في كل وقت.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news