العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأمن السيبراني والأمن الوطني: رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٠٩ ٢٠١٩ - 01:00

تداعيات كثيرة رتبتها ثورة الاتصالات الحديثة التي نشهدها في عالم اليوم ليس أقلها إمكانية استهداف العديد من منشآت الدولة الحيوية من خلال هجوم إلكتروني بما يعنيه ذلك من إمكانية تعطل عمل أجهزة رئيسية في الدولة، وقد شهدت دول العالم كافة -المتقدم منها والنامي- ذلك النوع من الهجوم وكانت خسائره بملايين الدولارات، بما يعنيه ذلك من أن هذا التهديد قد تجاوز كونه تحديا تقنيا بل يرتبط بالأمن الوطني للدول بشكل وثيق بل إنه قد أضحى جزءًا لا يتجزأ من آليات التعاون الأمني فيما بين الدول، وليس أدل على ذلك من كونه قد أصبح ضمن المناورات العسكرية التي تجريها الدول فيما بينها من آن لآخر، ومنها المناورات التي استضافتها الأردن «الأسد المتأهب» خلال الفترة من 25 أغسطس الى 5 سبتمبر2019 بمشاركة 29 دولة، فعلى الرغم من أهمية المجالات التي تضمنتها تلك المناورات، فقد لوحظ أنها قد أولت مجال الإرهاب السيبراني اهتماما كبيرا في النسخة التاسعة من تلك المناورات لهذا العام.

 الدول الكبرى ومنظمات الأمن الإقليمي تنبهت منذ وقت مبكر الى مخاطر الإرهاب الإلكتروني، وخاصة منذ تعرض استونيا عام 2007 لهجمات إلكترونية شاملة عصفت بكل المرافق الحيوية في البلاد، الأمر الذي حدا بحلف شمال الأطلسي «الناتو» الى تطوير سياسة للردع الإلكتروني تعكس جاهزية الحلف لتقديم الدعم الفوري لأي من دوله الأعضاء حال تعرضها لهجوم من هذا النوع، كما أنه لدى بعض دول الاتحاد الأوروبي تجارب مهمة بشأن الدفاع الإلكتروني، وخاصة في كل من ألمانيا وفرنسا حيث أسست الأخيرة قيادة للعمليات المعلوماتية تحت مسؤولية قيادة الأركان تشرف على حوالي 2600 مقاتل رقمي، من ناحية أخرى فقد جعل الاتحاد الأوروبي قضية الأمن السيبراني أولوية قصوى لديه وهو ما تعكسه اللقاءات المختلفة لممثلي دول الاتحاد، بالإضافة إلى جهود الوكالة المسؤولة عن الأمن الإلكتروني في الاتحاد الأوروبي. 

دول الخليج لم تكن بعيدة عن مخاطر الإرهاب السيبراني لثلاثة أسباب الأول: التقدم الملحوظ الذي حققته في التحول نحو مفهوم الحكومة الإلكترونية بما يجعل العديد من المرافق الحيوية عرضة لتلك التهديدات، والثاني: ثروتها النفطية التي تعد  أحد أهداف التهديدات السيبرانية ومن ذلك تؤكيد العديد من الدراسات أن 50% من الهجمات السيبرانية في منطقة الشرق الأوسط عموما تستهدف قطاعي النفط والغاز، والثالث: استهداف دول من جانب إيران والتي تعمل على تطوير قدرات للحروب غير المتماثلة، ومن ذلك تشكيل كتيبة الحرب الإلكترونية التي كانت تتبع الجيش الإيراني في البداية كذراع له، ثم انتقلت لتكون تحت مسؤولية الحرس الثوري بأمر من المرشد الأعلى.

وأمام تلك التحديات فقد أولت دول الخليج اهتماما كبيرا بمواجهة مخاطر الإرهاب السيبراني وهو ما تضمنه مؤشر الأمن السيبراني الذي نشره الاتحاد الدولي للاتصالات عام 2017، والذي يعنى بقياس مدى جاهزية الدول لمواجهة مخاطر من هذا النوع تأسيسا على معايير عديدة، وخلص ذلك التقرير إلى أن هناك ثلاث دول خليجية يمكن وصفها بالوصول الى مرحلة النضج وهي «المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة»، ويرجع ذلك إلى الإنفاق المالي على ذلك القطاع، فوفقاً لأحد التقديرات الحديثة نجد أن قطاع الأمن السيبراني هو الأكثر نمواً من بين القطاعات الأخرى في المملكة العربية السعودية بمعدل نمو سنوي يقدر بحوالي 15.3%، أو تأسيس مؤسسات معنية بالأمن السيبراني في الدول الخليجية الثلاث، وكان آخرها مقترح نيابي بإنشاء الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في مملكة البحرين تحت إشراف وزارة الداخلية، بالإضافة إلى وجود آلية خليجية مشتركة وهي اللجنة الدائمة للأمن السيبراني بمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ومع أهمية ما سبق هل يمكن القول بأن الأمن الوطني للدول قد أضحى بمأمن من مخاطر الإرهاب السيبراني؟ واقع الأمر أنه كلما شهدت البنية التحتية للدول تقدما ملحوظا في مجال تكنولوجيا المعلومات، فإن أمنها الوطني سوف يظل عرضة للمخاطر، إلا أن الأمر الذي يجب أن توليه الدول اهتماما هو مدى قدرة الجماعات الإرهابية على شن هجمات سيبرانية على قطاعي الدفاع والأمن، صحيح أن الخبراء يؤكدون حتى الآن أن أنظمة الجيوش لا تزال في مأمن من تلك المخاطر إلا أنه تجدر الإشارة إلى أنها مستهدفة والأمثلة على ذلك عديدة ومنها إعلان وزير الدفاع الفرنسي أن الأنظمة الأمنية الفرنسية قد أحبطت 24 ألف هجوم إلكتروني خارجي استهدف أجهزة الدفاع خلال عام 2016.

ويعني ما سبق أنه يجب حماية الجيوش من أخطار الإرهاب السيبراني ويمكن أن يكون ذلك من خلال خمس آليات أولها: تأسيس وحدات للأمن السيبراني داخل المؤسسات العسكرية وتزويدها بكفاءات بشرية مدربة ولديها خبرة أسوة بتجارب الدول والمنظمات الدفاعية التي استطاعت  التصدي لهذا النوع من التهديدات، وثانيها: مراجعة أنظمة الاتصال في المؤسسات العسكرية من آن الى آخر من خلال تأسيس كتائب دفاعية إلكترونية «جيوش افتراضية» ودراسة التجارب المتميزة في هذا الشأن ومنها الولايات المتحدة وروسيا والصين، وثالثها: أن تكون مواجهة الإرهاب السيبراني جزءًا أساسياً من المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها الدول من آن لآخر بحيث يكون لدى أفراد القوات المسلحة  القدرة على التصدي لأي إرهاب محتمل من هذا النوع، ورابعها: أن تكون مواجهة التهديدات السيبرانية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات وخطط الأمن القومي للدول، فعلى سبيل المثال يلاحظ أن حلف الناتو يصدر ما يسمى المفهوم الاستراتيجي الجديد كل عشر سنوات، وقد تضمن المفهوم الأخير الصادر عام 2010 تهديدات الأمن السيبراني وآليات مواجهتها، وخامسها: التعاون الإقليمي والدولي حيث ان ذلك التهديد هو تهديد عابر للحدود، وبالتالي ليس بمقدور أي دولة مهما توافرت لديها الإمكانيات المادية والبشرية أن تدرأ ذلك الخطر سوى بالتعاون الإقليمي والدولي.

ومع أهمية ما سبق وبالنظر إلى كون الإرهاب السيبراني قد أضحى أبرز مهددات الأمن الوطني، فإن مواجهته تتجاوز فكرة تأسيس مؤسسات معنية بذلك، وإنما لا بد من العمل بشكل متواز على عدة مسارات سواء تشريعية من حيث إقرار التشريعات اللازمة لذلك أو إعلامية من حيث توعية المواطنين بمسألة أمن المعلومات عموما أو من خلال توفير الكوادر البشرية بما يمكنها من مواكبة أساليب عمل الجماعات والمنظمات الإرهابية التي تسعى دوما لاختراق أنظمة المعلومات في أجهزة الدولة عموما وفي المؤسسات العسكرية والأمنية على نحو خاص.    

      ‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news