العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التنمية المستدامة وأبعادها المختلفة

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٨ ٢٠١٩ - 01:00

تحدثنا فيما سبق عن أبعاد التنمية المستدامة بصورة مجزأة، فتناولنا البُعد البيئي لوحده والبُعد الاقتصادي لوحده وكذلك البُعد الاجتماعي والبُعد المؤسسي، وفي الحقيقة فإن منظومة التنمية المستدامة لا تسير وفق هذه المنهجية، فالتنمية المستدامة منظومة متكاملة متداخلة، بمعنى أنه عندما تريد الدولة أو الجهة أو المؤسسة التفكير في أي قضية أو موضوع وأن تضعها ضمن إطار التنمية المستدامة أو تطويرها ضمن منظومة التنمية المستدامة فإنه ينبغي قياسها بمؤشرات الأبعاد جميعها على صعيد واحد، فإن تم لها ذلك فإنه عندئذ تستقيم الأمور، وحينئذ يمكن أن نقول إننا نتقدم من منظور التنمية المستدامة أو نتأخر، وهذا هو المقياس.

وحتى يكون حديثنا واضحًا ومنطقيًا ومتفقًا مع ما جاء في منظومة التنمية المستدامة، دعونا نحققها بمثال، فلنتدارس مثلاً موضوع كموضوع (تزايد عدد السكان والتنمية البشرية)، كمثال فقط. 

وحتى نحقق ذلك - أي أن نحقق منظومة التنمية المستدامة في قضية كقضية تزايد عدد السكان وعلاقتها بالتنمية البشرية - فإنه في البداية علينا كخبراء أن نحدد ثلاث محددات مهمة هي: الوضع القائم الآن، والوضع المستقبلي المتوقع أي القوة الضاغطة، وأخيرا التقدم المحرز أي ماذا ينبغي أن نفعل حتى نواجه القوة الضاغطة، وبعد ذلك نضع قضية تزايد عدد السكان أو الموضوع تحت الدراسة ونتدارسها وفق المحددات الثلاث السابقة. فإن فعلنا ذلك فإن نتائج دراستنا وبحثنا ستكون كالتالي:

أولاً: الوضع الحالي أو واقع الحال، لو افترضنا إننا في عام 2019 – مثلاً – وتبين لنا وفق الدراسات والبحوث والحسابات الإحصائية أننا في بلد يتضاعف فيه عدد المواليد سنويًا تضاعفًا عدديًا هندسيًا، ووجدنا أن معدلات الخصوبة في البلاد تنمو وتتضاعف بصورة تصاعدية مضطردة، وأن معدل قياس النمو سيتضاعف عشرات المرات خلال السنوات العشر القادمة، فإن ذلك يعني – ببساطة – حدوث أزمة حقيقية في المستقبل، ومن الطبيعي فإن ذلك سوف يؤثر على التنمية البشرية في البلاد، فيكون السؤال الأول والمهم هو: ماذا يمكن أن نفعل للتصدي لهذه القضية في ظل منظومة التنمية المستدامة التي نسعى لتحقيقها في البلاد؟

هذا هو واقع الحال، في السنة التي نحن نعيشها حاليًا (فلتكن 2019 مثلاً)، فإن كنا فعلاً نريد تطبيق منظومة التنمية المستدامة في البلاد يجب أن نفكر بطريقة منهجية بطريقة التفكير خارج الصندوق، ولكن كيف؟

ثانيًا: الوضع المستقبلي، ونحن في عام 2019 وعندما نكتشف أن معدل النمو والخصوبة يتضاعف بصورة تصاعدية، فإن هذا يدعونا لأن نفكر في المستقبل وأن نسأل أنفسنا هذا السؤال: ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل إن تم إهمال الواقع؟ وهذا هو ما يمكن تسميته (بالقوة الدافعة) التي تدعونا لنفكر بجدية في المستقبل وأن نضع الخطط لاستيعاب كل هذه الأعداد من الأطفال الذين سيولدون خلال العشر سنوات القادمة أو حتى الخمسين سنة القادمة، هذا إن كنا ندعي أننا نسير وفق منظومة التنمية المستدامة.

حسنٌ، ماذا نفعل؟ وكيف نفعل ما نريد فعله؟

في البداية يجب أن نفكر معًا لماذا يجب أن نأخذ معدل النمو والخصوبة السنوية في الحسابات الوطنية والقومية؟ نجد أن معدل النمو والخصوبة السنوية يضغط على:

1- الموارد الطبيعية، كالماء والغذاء، فإن كنا – مثلاً – نستورد اليوم 1000 طن مواد غذائية في شهر خلال هذا العام، فإننا تحت ضغط تزايد عدد السكان سنستورد خلال السنوات القادمة حوالي 10 آلاف طن، هذا بالنسبة للغذاء، وأما بالنسبة للمياه وخاصة أننا دول صحراوية شحيحة الموارد المائية، ومصدر الماء الأساسي الذي نعتمد عليه هو تحلية مياه البحر، فإن كان لدينا اليوم 6 مصانع لتحلية المياه فإننا في المستقبل نحتاج إلى 20 مصنعًا أو أكثر، وهذا يعني – في المقابل – كميات مخلفات عالية ونواتج ملح كبيرة، ومشاكل وقضايا بيئية واجتماعية واقتصادية، وقس على ذلك. 

2- استخدام الوقود والطاقة، ونقصد هنا النفط والغاز الطبيعي وريما الفحم الأحفوري، فإن كان سعر النفط اليوم (بمبلغ قدره...) فإنه في المستقبل – أي خلال السنوات القادمة – سيتضاعف السعر، وخاصة في الدول التي يعتبر النفط فيها شحيحًا وقابلاً للنضوب، فالأفراد يحتاجون إلى كميات مضاعفة للنفط، والسيارات ستتضاعف مقابل تضاعف النمو السكاني، واستهلاك الكهرباء سوف يتضاعف وبالتالي نحتاج إلى حرق كميات أكبر من الغاز الطبيعي حتى نستوفي احتياجات البشر والمواطنين، وكذلك أسطوانات الغاز للطبخ والتدفئة وما إلى ذلك، فهل يمكن حساب ذلك من منظور أبعاد التنمية المستدامة المختلفة؟

3- استهلاك الكهرباء، يرتبط استهلاك الكهرباء مباشرة باستهلاك النفط والغاز الطبيعي، وتزايد عدد السكان، فعدد السكان اليوم (حوالي... نسمة) يستهلكون في المتوسط (وحدة كهربائية)، ولكن إن تضاعف العدد إلى (حوالي... نسمة) فإنه من الطبيعي أن الوحدات الكهربائية ستتضاعف، بحسب معدلات النمو واللوغاريتمات الهندسية، وهذا يعني ضغطا شديدا على استهلاك الغاز الطبيعي وحرقه، وهذا الحرق سوف يؤدي إلى استنفاد المخزون من جهة، ومن جهة أخرى تصاعد الأدخنة والملوثات في الهواء، مما يعني أننا أمام كارثة بيئية صحية لم نفكر بها ولم تؤخذ في الحسبان.

4- بناء المساكن والمدارس، هذا العدد المتضاعف من السكان يحتاج إلى سكن، فيا ترى أين سيسكن كل هذا العدد المستقبلي من الشباب الذي سيبلغ السن القانونية للسكن؟ فإن كانت الدولة توفر وحدات سكنية فإن ذلك سيؤدي إلى نشوء ضغط شديد على موارد الدولة، حتى وإن كانت الدولة سوف تستعيد المبالغ المالية التي ستدفعها في مقابل المساكن من المواطنين أنفسهم، إلا أنه من جانب آخر أن تلك المساكن سوف تبنى على مساحات من الأراضي التي قد تكون زراعية وبالتالي فإننا نحتاج إلى قطع الأشجار حتى تبنى البيوت وهذا يؤثر على الثروة الزراعية، أو أن تقوم الدولة بدفن البحر لتوفير مساحات من الأراضي السكنية وهذا سيؤثر على الثروة السمكية، أو أن تبنى في الصحراء وهذا يؤثر على التنوع البيولوجي والحياة الفطرية للبلاد. 

بالإضافة إلى أن تضاعف عدد السكان حتمًا سيؤدي إلى تضاعف عدد المدارس التي يجب أن تستوعب كل هذا العدد القادم من الأطفال، وتضاعف عدد المدارس يعني – أيضًا – أن مساحات كبيرة من الأراضي ستذهب لبناء المدارس، وفي المقابل فإننا في المدارس نحتاج إلى خدمات، ومعلمين، وموظفين، ورواتب وكتب وقرطاسية وأمور كثيرة نحاول أن نتجاهلها ونحن نعد للمستقبل، هذه الأمور عادة ما تكون اقتصادية واجتماعية وبيئية، إذ إنه يجب أن نفكر في حجم الفصول الدراسية وبيئة المدارس والأغذية التي سوف يتناولها الطلاب في المدرسة، والأدوات المدرسية، والحمامات، والخدمات وكل ذلك.

5- العلاج وبناء المستشفيات، ماذا نحتاج للعلاج؟ كم كمية الأدوية التي نحتاجها عندما يتضاعف عدد السكان؟ ماذا عن الرعاية الصحية؟ ماذا عن التطعيمات والحقن؟ والصحة العامة والصحة الخاصة؟ كم مستشفى وكم مركزا صحيا نحتاج خلال السنوات الخمسين القادمة؟ ما الأمراض التي من الممكن أن تتضاعف في المستقبل؟ هل يمكن أن تتغير الأمراض نتيجة للتلوث وهجوم البكتيريا بأنواعها المختلفة؟ ماذا عن نمط الحياة هل لها تأثيرات إيجابية أو سلبية في حياة الناس؟ ماذا عن السمنة؟ ماذا عن السرطان؟ ماذا عن السكر والضغط والكولسترول؟ ماذا عن الأمراض المزمنة المعدية وغير المعدية؟ ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل من منظور أبعاد التنمية المستدامة المختلفة؟

6- مياه الصرف الصحي والمخلفات المختلفة، هذا العدد والكم الهائل من البشر سوف ينتجون مخلفات بأنواعها المختلفة، وهذه المخلفات تحتاج إلى تصريف بطريقة أو بأخرى، فالمخلفات الصلبة يجب الاهتمام بها بطريقة تختلف تمامًا عن مخلفات الصرف الصحي، فإن هذه تذهب في طريق والأخرى تسلك طريقا آخر، فهل لدينا الإمكانيات المستقبلية التي يمكن أن نضعها في الاعتبار مستقبلاً؟ ترى كم محطة معالجة مياه صرف صحي نحتاج إليها في المستقبل؟ وماذا نفعل بالمياه العادمة الناتجة من البيوت والمساجد والمنشآت الأخرى؟ ماذا سنفعل بالمياه الرمادية؟ وماذا سنفعل بالمياه الناتجة من المصانع؟ هل سنرميها في البحر بعد المعالجة؟ وكم نسبة المعالجة التي سوف تتم؟ 

كيف نعالج مشكلة المخلفات الصلبة، هل نعيد استخدامها؟ هل المواطن على وعي ودراية تامة لكيفية التعامل مع المخلفات؟ أم هل سنحاول أن ندفنها بالطرق التقليدية لتصبح لدينا مشكلة أو مشاكل جديدة؟ وهل لدينا من الأراضي والمساحات الكبيرة حتى نستخدمها لدفن المخلفات؟ كم شركة نحتاج لإزالة المخلفات العضوية والصلبة من المدن؟ كم من الأموال تصرف على هذه الشركات؟ وأمور أخرى كثيرة هذا على الرغم من أننا نتحدث عن المخلفات الخاصة بالمنازل وبعض المنشآت التجارية والزراعية، فما بالنا إن كنا نتحدث عن المخلفات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية ومخلفات المصانع الخطرة والمواد الكيميائية ومخلفات المستشفيات والبلاستيك والإطارات والبطاريات وما إلى ذلك، أليس الأمر جديرًا بالتفكير؟ 

7- الانبعاثات الغازات، وإن كنا تحدثنا عن المخلفات السائلة والصلبة قبل قليل، فإنه يجب ألا ننسى أن نفكر في الانبعاثات أو بالأحرى المخلفات الغازية التي تنطلق من المصانع ومحطات الكهرباء والسيارات التي سوف تتضاعف من جراء تضاعف عدد السكان، إذ إن هذه المخلفات لها علاقة مباشرة بصحة الإنسان، فالعديد من الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات ترتبط بصورة أو بأخرى ببعض الأمراض التي تصيب الإنسان، وإن لم يحدث ذلك فإن هذه الغازات سوف ينتج عنها بعض الظواهر التي يمكن أن تتسبب في إحداث بعض المشاكل الطبيعية، مثل: الأمطار الحمضية، وظاهرة تغير المناخ وما إلى ذلك. 

8- وأمور أخرى كثيرة، ومن الصعب جدًا أن نأتي بكل الخدمات ووسائل الحياة التي يحتاج إليها الإنسان، فالبشر اليوم يحتاجون إلى شبكات إنترنت، شبكات الطرق، شبكة اتصالات، الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، أبراج الاتصالات وأبراج الكهرباء، مصانع، ملاعب وأندية، كل هذه الأمور وغيرها تحتاج وتستهلك الكثير من الموارد وتنفث في الطبيعة العديد من المواد الضارة التي قد تؤثر على الإنسان والطبيعة، وبالإضافة إلى أنها ذات تأثيرات كبيرة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

عمومًا، هذه بعض الأمور التي ينبغي التفكير فيها ودراستها ووضعها في الخطط المستقبلية التي يجب أن تضعها الدولة حينما تعتزم السير في طريق تحقيق منظومة التنمية المستدامة في البلاد.

ثالثًا: التقدم المحرز، بمعنى ماذا فعلت الدولة لاستيعاب كل هذه الأعداد القادمة من البشر؟ ما الاستجابات التي لديها لكل تلك المشاكل التي من الممكن أن تواجهها في المستقبل؟ أو ماذا يمكن أن تفعل الدولة حتى لا يداهمنا المستقبل؟ كل الحلول وكل الخطط وكل ما يجب أن نفكر فيه يجب أن يوضع الآن – ونحن في عام 2019 – ولا ننتظر ونتفرج على الأحداث التي تأتي من تصاريف الزمن، فالزمن لا يرحم وخاصة ونحن راغبون في السير قدمًا في منظومة التنمية المستدامة، على أن تقاس على الأمور – أيًّا كانت المشكلة سواء كان الموضوع الذي نفكر فيه عدد السكان أو أي موضوع آخر – بحسب أبعاد التنمية المستدامة المختلفة والتي هي الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمؤسسي، حينئذ يمكن أن يقال إننا نسير وفق منظومة التنمية المستدامة.

ومن جانب آخر كل تلك الأمور تتم وفق دراسات وإحصائيات واضحة وشفافة، فنحن لا نحتاج إلى التخمين أو المزاجية وإنما نحتاج إلى دراسات صحيحة ومؤشرات واضحة، لا مواربة فيها ولا خفاء.

 عند ذلك نكون قد حققنا التنمية المستدامة في بلادنا. 

Zkhunji@hotmail.com

 

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news