العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأمة.. وإشراقة أمل!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٨ ٢٠١٩ - 01:00

الأمة الإسلامية ليست أمة طارئة على التاريخ، والمسلمون شيدوا حضارة، وأسسوا دولة كانت الدولة العظمى الوحيدة حين كان الغرب أو غيرهم من الأمم يتخبطون في دياجير الظلام، بل إن الحضارة الغربية الحديثة تدين بالفضل للحضارة الإسلامية في نقل علوم اليونان إليها من خلال ترجمة العلوم من اليونانية إلى العربية، وكانت العربية في ذلك الوقت لغة العلوم في الجامعات والمدارس الإسلامية، وعلى من يريد الدراسة في هذه المدارس والجامعات ان يتقن اللغة العربية كحال العالم اليوم مع اللغة الإنجليزية التي هي لغة العلوم في هذا العصر.

إذًا، فالأمة الإسلامية لها تاريخ مجيد، وخلفية حضارية لا ينكرها المنصفون من علماء الغرب ومفكريه، وحضارة الإسلام قادرة على العودة من جديد إلى مقدمة الركب الحضاري، وبذورها صالحة للإنبات مرة أخرى بخلاف بذور الحضارات الأخرى التي سبقتها والتي طوى التاريخ صفحاتها، فهذه الحضارات أدت دورها وانتهت تواريخ صلاحيتها وبذورها ميتة لا حياة فيها، وهي غير صالحة للإنبات من جديد.

خطابنا اليوم موجّه إلى أبناء الإسلام الذين قد يصاب بعضهم باليأس من عودة المسلمين إلى ميدان السباق الحضاري، فضلاً أن يكونوا في مقدمة الركب الحضاري الهادر، ولكننا نقول لهم: إن هذه الأمة أمة مصطفاة لرسالة خالدة، ومختارة لغاية سامية، ومحال أن ينتهي دورها عند هذا الحد لأن أصول حضارتها محفوظة في كتاب: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (فصلت/42). 

نعم أصول حضارتها ومنابعها محفوظة في كتاب معجزة، هو القرآن الكريم، وهو كتاب يجمع بين المعجزة الدالة على صدق الرسول المبلغ عن الله تعالى، والشريعة المنظمة لحياة الإنسان، والتي تضبط سلوكه، وتحدد له حدود الحركة والسكون وفق منهج إلهي محكم قال الله تعالى عنه: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (المائدة/48).

هذا الكتاب المعجز هو المرجع الوحيد للبشرية على صدق البلاغ عن الله تعالى، وفيه أنباء من سبق من الأنبياء والرسل الكرام وما دار بينهم وبين أقوامهم، وان الأمة الإسلامية سوف تستدعى للشهادة يوم القيامة، وذلك مصداق لقوله سبحانه وتعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..» (البقرة/143).

لقد جمع القرآن الكريم بين المعجزة والشريعة، كما جمع بين المصدق لما بقي من الوحي في الكتب السابقة، والمهيمن على جوانب التحريف فيها، والشريعة خالدة بخلود المعجزة، من هنا ندرك ومن دون أدنى عناء أن من يحاول فصل الإسلام وشريعته عن الحياة يحاول المستحيل لأن الإسلام ليس كباقي الرسالات، الإسلام لديه منهاج حياة يرسم للمسلم الحدود التي عليه ألا يتعداها، والحدود التي ينبغي عليه ألا يقترب منها، ووفق هذه الضوابط الصارمة يعيش المسلم حياته، ويمارس دوره الاستخلافي.

يقول المستشرق البريطاني السير توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام): «.. نرى من أسباب الترحيب الحار الذي لقيه محمد (صلى الله عليه وسلم) في المدينة أن الدخول في الإسلام قد بدأ للطبقة المستنيرة من أهالي المدينة علاجا لهذه الفوضى التي كان المجتمع يقاسيها، وذلك لما وجدوه في الإسلام من تنظيم محكم للحياة، وإخضاع أهواء الناس الجامحة لقوانين منظمة قد شرعتها السلطة تسمو على الأهواء الفردية» (قالوا عن الإسلام/ د.عمادالدين خليل/ ص151).

ونحن معاشر المسلمين نرى من خلال حجب الظلام إشراقة أمل في عودة القيادة الحضارية إلى الأمة الإسلامية من جديد، نرى ذلك في حفظ مصادرها في العقيدة الخالصة، وفي العمل الصالح الذي هو القوة الرافعة للكلم الطيب ليبلغ غايته، وهي مرضاة الله تعالى، ثم تحقيق المجد والتميز لهذه الأمة.

إن الأمة الإسلامية وحدها تملك المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء والرسل الكرام، وهذه المعجزة جاءت على هيئة كتاب حفظه الله تعالى من التبديل والتغيير، فقال سبحانه: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» (النساء/82).

ومن إشراقة الأمل لهذه الأمة وعده سبحانه وتعالى لها بأن يظهر دينه على الدين كله، قال سبحانه وتعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)» (التوبة).

ومن إشراقة الأمل لهذه الأمة قوله تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم» (الزمر/53)، كيف تفقد أمة الأمل في الغد الموعود، حين يكون الوعد من قيوم السموات والأرض، الذي يملك مقادير الأمور كلها، أمة تحظى بهذه الرعاية والعناية، وتردد صباح مساء هذه الآية الجليلة المُطَمْئِنَة، التي تملأ النفس أملا وحبورا، وتفتح آفاق الحياة على غدٍ مشرق تعود للإسلام فيه ريادته وقيادته كما كان في الماضي المجيد يوم أَعَزَ الله تعالى المسلمين بالرسالة الخالدة، والمعجزة الباقية، ورضي الله تعالى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان يذكر المسلمين دوماً بمقالته الشهيرة: «أيها الناس إن الله تعالى قد أعزنا بالإسلام ولو طلبتم العزة في غيره لم يزدكم الله إلا ذلا، واعلموا أنكم تنتصرون على عدوكم بطاعتكم لله سبحانه ومعصيتهم له، فإذا تساويتم معهم في المعصية كانت الغلبة لهم لأنهم أكثر منكم عدة وعددا». إن هذه الكلمات المباركات التي ما فتئ الإمام الراشد عمر بن الخطاب يذكر بها الأمة، ويحيي فيها الأمل من جديد، وخاصة أن مصدر عزتها من الله تعالى، قال سبحانه: «ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم» (يونس/65). يقول سبحانه: «من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور» (فاطر/10)

ومن إشراقات الأمل في حياة الأمة أن الله تعالى وعدها بالنصر والتأييد، وضمن لها استمراره، وسخر الأفعال ليحقق بها ما تعهد به سبحانه، ومن يقرأ سورة النصر، ويجتهد في تدبرها، وفي عطاءات الأفعال فيها فسوف يجد مصداق ذلك، يقول سبحانه وتعالى: «إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)» (النصر).

النصر الذي وعد الله تعالى به عباده المؤمنين قديم قد قضى الله تعالى به لذلك عَبَّرَ عن مجيئه بالفعل الماضي، وعَبَّرَ عن استمرارية هذا النصر ودوامه بالفعل المضارع الذي يفيد الحال والاستقبال، فقال سبحانه: «ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا»، وهذه الآية من السورة المباركة تحمل الكثير من الدلالات منها: أنه سبحانه عَبَّرَ بالفعل الماضي «رأيت» الذي يفيد بأن دخول الناس في دين الله تعالى بدأ مع مجيء الإسلام، ومن بداية إشراق فجره الصادق لذلك عَبَّرَ عنه بالفعل الماضي «رأيت» وحين أراد سبحانه أن يؤكد استمرارية دخول الناس في الدين عَبَّرَ عنه بالفعل المضارع «يدخلون»، وسورة النصر تكفي وحدها لتزرع الأمل في نفوس المؤمنين «حدائق ذات بهجة»، ويقطفون من ثمارها اليانعة ما يشتهون، ونجد في القرآن الحكيم الكثير من الاستخدامات للأفعال ما يؤكد إشراقات الأمل التي تحمل الأمة على الاستبشار بأن نصر الله تعالى لأمة الإسلام قريب إذا هي أخذت بأسبابه، وعليها قبل أن ترفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن ينصرها، ويسدد على طريق الحق خطاها، عليها أن تأخذ بالأسباب قبل أن تدعو، لأن الدعاء هو تفعيل للأسباب، فإن لم يصادف الدعاء أسبابا عاد على صاحبه بالخسران المبين، وعلى المسلمين أن يعقلوا الناقة ثم يتوكلوا على الله تعالى، ولا يتركونها سائبة ثم يتواكلون، وهذا هو حال المسلمين اليوم مع الأسف الشديد، وعليهم ألا يكونوا مثل ذلك الشاب الذي كان يكثر من الدعاء أن يهبه الله تعالى الذرية الصالحة، فلما سأله أحد الحضور: منذ متى وأنت متزوج؟ قال: لم أتزوج بعد! قال له: وكيف تريد ذرية.. وصالحة وأنت لم تأخذ بالأسباب؟! وهذا هو حال المسلمين يسألون الله تعالى النصر على أعدائهم من دون أن يُعِدُوا لهم ما يستطيعون من قوة..!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news