العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

قصة قصيرة.. كاباتشينو

بقلم: علي الشقاق

السبت ٠٧ ٢٠١٩ - 10:28

جلس بعيدًا في زاوية فناء المجمع.. أخرج هاتفه ليتابع الواتس أب ويتنقل من محادثة إلى أخرى دون هدف محدد.. يكتب ويلتقط صور (السلفي).. يرفع عينيه بين الفينة والأخرى ليرى ما حوله، ثم يلقي نظرة على الساعة، قال في نفسه: (لا زالت الساعة دون التاسعة) ويعاود العبث في الهاتف، منتقلاً هذه المرة إلى الانستغرام، يتصفح الصور والمقاطع دونما غاية في حد ذاتها، تتغير ملامح وجهه تبعًا لتأثره بكل صورة أو مقطع وقد تعلو وجهه بعض الابتسامات أو ترتسم علامات التأثر لبعض اللحظات، قرار مفاجئ يطلب من خلاله فنجان قهوة ليعدل مزاجه ويضيف إلى مقاطع اليوتيوب المفضلة لديه نكهة وجاذبية وبعدًا جديدًا.. تحرك من مكانه وهو لا يزال ممسكا بهاتفه وعيونه لا تفارق الشاشة:

«كاباتشينو» قال للنادلة الأجنبية: ودون أن يرفع رأسه.. دفع المبلغ وعاد أدراجه إلى الزاوية ذاتها، بيد يمسك «الكاباتشينو» وشفتاه تحاول ارتشاف القهوة الساخنة بحذر، وبيده الأخرى يمسك الهاتف الذي لا تفارقه عيونه.

مر الوقت سريعًا وتحركت العقارب لتعلن ساعة جديدة وهو لازال يتصفح المواقع ويرد على الرسائل.. بعد برهة من الزمن، أحس بعطر قوي يملأ المكان سبقته خطوات متأنية تتقدم إلى الطاولة التي أمامه، عندما رفع رأسه ليعرف المصدر، كان سواد العباءة الحريري قد وصل إلى الكرسي، وأعطت صاحبتها ظهرها له، حرك رأسه يمنة ويسره، وتطاولت عنقه ليرى ملامح الوجه ولكنه لم يستطع.. قال في نفسه: «لا يهم، الأمر لا يستحق العناء». عادت عيناه إلى شاشة الهاتف وباشرت يداه الضغط والحركة، وشردت أفكاره في العالم الافتراضي.

عاد الفضول إليه بعد أن أحس بتنمل وبعض التيبس في أعلى عنقه.. وتسلل الخدر إلى كتفيه، عندها قرر أن يتوقف عن مواصلة العبث في الهاتف. رفع رأسه وأخذ نفسًا بتأفف، لقد بدأت حركة الناس تدب أكثر فيما حوله، وتحركت شاشات العرض بمحتوى جاذب وألوان متعددة، وأصبح يحس بشيء من الصخب.. وجال ببصره في المكان، ووقعت عيناه على ذات السواد للعباءة الحريرية، وعاد الفضول يدق باب حواسه، واقتربت منه موجة من أحاسيس الفضول تمنيه برؤية وجه صاحبة العباءة بعد أن سلب عطرها الأخاذ عقله وجوارحه، أقنع نفسه بضرورة القيام من مكانه والتحرك عله يتمكن من ذلك، انتابه بعض التردد الداخلي، ولكن عيونه المتعلقة بسواد العباءة وأنفه المسحور بالعطر القوي ملكا عليه كل سبل الهروب، وما هي إلا لحظة الحسم لينهض من مكانه ويحرك يده بطريقة عفوية لتصطدم بكوب «الكاباتشينو» الورقي وينسكب ربع كوب القهوة المتبقي على هاتفه!

أدار رأسه فجأة ليفيق من حلمه محاولاً إنقاذ هاتفه العزيز ويمسح القهوة عن الشاشة الفضية البراقة، ولكن سائل القهوة قد تسلل إلى أحشاء الهاتف وأخذت أضواء الشاشة تخفت سريعًا، حاول فتح الهاتف بسرعة ولكن الأمر كان معقدًا عليه! رفع رأسه ليستنجد بالعباءة، ولكن المفاجئة أن العباءة قد رحلت تمامًا كما رحل الهاتف!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news