العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

التيه بين اغتراب الواقع وماض مغترب 
قراءة في مجموعة قصائد «حكايات لجبين كاترين» للشاعرة د. نداء عادل

بقلم: عبدالله بير 

السبت ٠٧ ٢٠١٩ - 10:26

«لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم» توفيق الحكيم.

هل هناك ألم أعظم من ضياع الوطن؟ هذا السؤال يتبادر إلى ذهن القارئ لما يتمعن في قراءة مجموعة قصائد للشاعرة العراقية المغتربة (نداء عادل)، التي صدرت من قبل الهيئة العامة للكتاب في جمهورية المصر العربية في شهر أغسطس عام 2019. وتتألف المجموعة من عشرين قصيدة جميلة، وهي بمثابة لوحات فنية لغوية في منتهى الروعة. 

استخدمت الكاتبة أساليب مختلفة في بنية هذه القصائد وأثارت تساؤلات عديدة.

الاغتراب أيا كان نوعه فهو من الآلام العظيمة التي تجعل من الإنسان ضائعا في الحياة.

لجأت الشاعرة إلى فعل الكتابة للتعبير عما يجول في خاطرها والانفطار في الاغتراب كعميلة قيصرية للعيش. فالكتابة نفسها فعل اغترابي يحمل معه أخطارا كثيرة، ويحمل في طياته الكثير، وينظر العلماء والفلاسفة إلى الكتابة كثورة كوبرنيقية في مجال الوعي الإنساني، والتي أدت بالإنسان إلى الهروب من المواجهة المباشرة والتخفي وراء الكلمات. 

من هنا، وبطول التاريخ الإنساني نجد أن الكتابة فعل خطير، مُنعت كتب أو أحرقوها أو نهبوا مكتبات. مع ذلك تبقى الكتابة من أروع ما أبدعه الإنسان خلال مسيرة تاريخه الطويل في الأرض. ولا يتم فعل الكتابة إلا بفعل آخر الذي هو بدوره لا يقل خطورة وأهمية منها وهو فعل القراءة، أي عمليتي القراءة والكتابة من أخطر العمليات التي تتخوف منها السلطات مهما كان نوعها، لذا يعتبر ‭{‬الكتاب (النص) والقراءة‭}‬ من الأشياء المهمة في بناء الوعي الإنساني والتأثير في رؤية الإنسان للواقع الذي يعيش فيه.

(حكايات لجبين كاترين) مجموعة قصائد، تتناول قضية الاغتراب، باستذكار الماضي والتعايش معه في حاضر مغترب بأسلوب شعري جميل، حيث استخدمت الشاعرة كلمات تنفجر بالألم والبعد عن الوطن ومراتع الطفولة، فالقارئ يجد كلمات محددة استخدمت للتعبير عما يجول في فكرها مثل (غريب، أصفر، أرصفة، حقيبة، كأس فارغ، الأفق، قفص الصمت.... الخ) من الكلمات التي تؤكد أزمة الاغتراب لدى الشاعرة.

الالتجاء إلى الأهل وخصوصا الأب هو بحد ذاته تعبير اللجوء إلى مكان آمن في خضم أمواج الحياة العاتية التي تتقاذف بالإنسان يمينا وشمالا ويجعل منه ريشة في مهب الريح، لا يمكن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل لأنه منزوع الجذور ويطير بلا وجهة معينة.

استخدمت الشاعرة (الأب) كرمز عن الوطن أو السلام أو الهدوء والطمأنينة ومناجاته من خلال القصائد كتعبير مجازي وكناية عن الحامي للإنسان كهدف أساسي عندما تقع الشرور وتصبح حياة الإنسان مهددة. 

وصف الواقع المغترب بأسلوب شعري جميل، عملية صعبة لأن التفكر والبحث عن مسكن أو لقمة عيش قد يشتت فكر الإنسان ولا يتمكن من جمع أفكاره وصبها في قوالب أدبية كشعر أو القصة، فالشاعرة (نداء عادل) خرجت من هذا الإطار الضيق إلى رحابة الأدب، وكتبت كلماتها في منتهى الرقة ومنتهى العذوبة لتصور واقعها المرّ، ملتجئة إلى ذكريات طفولتها ومقارنة ذلك الماضي المر بالحاضر الأمرّ.

(عندما حل المساء 

مثلي غريبا 

بكيت

صار الورد أصفر كالموت...) 

في هذه الصورة الشعرية يتباين للقارئ كيف أن كلمات مثل (المساء وغريب وأصفر وموت) كلها من تعبر عن الضياع والغربة، ولكن السؤال هو هل هذا الجمع بسيط؟ إن أي شخص قادر على أن يجمع هذه الكلمات معا في نص أدبي؟ أبدًا فجمع هذه الكلمات يحتاج إلى مهارة وشطارة وشعور بألم كبير لكي يتمكن الشخص من أن يجدل كل هذه الكلمات معا.

(في شوارع المدينة 

بعدها صرنا نقيس دربنا للمدرسة 

بجثث تلفها الأعلام...)

ألن يكون الإنسان معذبا في الأرض لو كانت ذكرياته أقسى من حاضره؟ وهذا ما نراه في قصائد الشاعرة وكيف مرت بتجربة طفولة مرَّة، لم يكن لها ذكريات مع الفراشات أو الأزهار بل مع الجثث والموت والخوف، لذلك تكون الطفولة أكثر اغترابا من الحاضر، إذا أين المفر من كل هذا؟ هو القصائد والكلمات والجمل والعبارات التي تعيّش الإنسان في فردوس يوتوبي جميل يحمل عنه بعضًا من مآسيه. 

(ما قيمة شعراء بلا ذاكرة؛

غريب بلا حنين 

حبيب لا ينتظر عودة غائب؟

سيهدأ زجرها في بحر بلا قوارب 

هناك...).

ترتكز جمالية كلمات القصائد على كثرة الانزياحات اللغوية التي تبنتها الشاعرة للتعبير عما تريد توصيله للقارئ من آلام الغربة ومرارة الفراق عن الحبيب، أو الوطن أو الأهل، لذا نجحت في ربط ما هو متناقض وغير متوقع، حيث شكلت لوحات جميلة من خلال تلك الانزياحات التي تتكون في نهاية لوحة كبيرة، كفسيفساء صنعت بأيد مهرة على ذاكرة القارئ.

(بعض الصباحات لا تأتي برفق 

ثائرة هي في وجوه نجمات المساء،

عاجزة عن تأنيث الغياب.

والقمر لم يزل هنا، 

يأبى الرحيل عن حوائط القبرات التي حنطنا سويا 

يشي بنا للشمس 

والجليد بيننا يعلو همسة تلو أخرى).

جمالية القصائد في هذه اللوحات اللغوية التي تثير تساؤلات عديدة في روح القارئ، هل يمكن للمعاناة أن تصل إلى الحد الذي يفقد الإنسان في الأمل؟ وكيف للإنسان أن يكون متوحشا لدرجة أن يجعل حياته وحياة غيره أشبه بأن تكون في غابة كبيرة لا تحكمها سوى قوانين الأقوى؟ وكثيرة هي تساؤلات نداء في هذه المجموعة. ونستطيع أن نتلمس من خلال عملية القراءات المتكررة كيف لها الخبرة والتمكن في التلاعب بالكلمات كي توصل رسالتها المليئة بالألم والفقدان وتكون صوتا معبرا لكل غريب في هذا العالم المليء بالشرور والغربة والضياع.

(حكايات لجبين كاترين) هي في الحقيقة حكايات أو أستطيع أن أقول لوحات فنية جميلة، نسجت بأيدي مهرة، ودراية تامة بما يشغل نفس الإنسان حين يحس بالضياع في هذا العالم، لأنها استطاعت تطويع اللغة لإيصال رسالتها الإنسانية إلى العالم، والتعبير عما يجول في كمائن روحها، وإظهار مأساتها من خلال جمل شعرية مستخدمة أسلوب التناقض أو الانزياح أو التغير في وظائف الكلمات. وعند القراءة يدخل القارئ في متاهات ودرابين شعرية في منتهى الروعة ويجد نفسه واقفا في إحدى محطاتها أو يرى نفسه كأنه هو الذي سرد كل هذه الحكايات.

كاتب وناقد عراقي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news