العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

المعاناة وثورة الشغف

بقلم: ايمان عباس

السبت ٠٧ ٢٠١٩ - 10:24

يُقال بأن: «فاقد الشيء لا يُعطيه» أما أنا فأقول: «فاقد الشيء هو خير من يُعطيه»؛ فالأصل في عملية العطاء لكي تكون صادقة وذات قيمة حقيقية هو شعور المعطي بحاجة المُعطى إليه، وهذا الشعور لا يملكه إلا من كان في يومٍ ما في موقع المحتاج نفسه سواء كان هذا الاحتياج ماديًا أو معنويًا وبتوفر هذا الشعور تتحقق القيمة الجوهرية للشيء الذي نُعطيه.

أما الأنانية فهي على نقيض ذلك تمامًا ومخطئ من يظن بأن الشخصية الأنانية تكون وليدة الحرمان لأنها على العكس من ذلك إذ غالبًا ما تكون صنيعة حياة مدللة رجحت بها كفة أخذ الأشياء من الآخرين على كفة منحها إليهم.

والأمر نفسه ينطبق على المبدعين في مختلف مجالات الحياة الذين لا تخلو قصص العديد منهم من المرور بلون أو أكثر من ألوان المعاناة التي شكلت بدورها حالة تصادمية داخلية انهزمت فيها تلك المعاناة بجميع أعبائها وعوائقها صاغرة أمام الطاقة الإبداعية التي تمكنت من فرض جذورها الضاربة في عمق هذا الإنسان المبدع لتُظهر أجمل ما فيه وهو ما يمكنني أن أطلق عليه مسمى «ثورة الشغف» لأن الإبداع الذي تخلقه هذه الحالة لا يختلف أبدًا عن أي ثورة تخوضها الشعوب المضطهدة في سبيل أن تكون أو لا تكون !

أبرز مثال على ذلك حالة الصمم التي تعرض لها أحد أبرز عباقرة الموسيقى «لودفيج بيتهوفن» الذي أصر على أن تكون تلك الإعاقة جسرًا تعبر منه سيمفونياته والمقطوعات التي قام بتأليفها على مر الأجيال والعصور، إذ تمكن بيتهوفن من الانتصار على إعاقته وعلى جميع النقاد الذين عاصروه وانتقدوه لانعزاله التام وإضافته للمزيد من خطوط التعقيد في مؤلفاته الموسيقية ولا سيما تلك التي ألفها عندما تفاقمت حالة الصمم لديه وبدأ يفقد حاسة السمع بشكل كلي غير مدركين لحالة الصراع التي انسجمت معها كل طاقته الإبداعية وكأنه خلق خصيصًا من أجل هذه الموهبة. ولكن المبهر حقًا في قصة إبداع بيتهوفن ليس فقط في تمكن عازف أصم من النجاح في تقديم أروع المقطوعات الموسيقية ولكنه كان في قدرته على إبقاء هذه المقطوعات على قيد الحياة منذ عام 1783 وحتى يومنا هذا وهو ما راهن بيتهوفن نقاده عليه وتمكن فعلاً من كسب ذلك الرهان !

من زاوية أخرى للفكرة ذاتها واستنادًا إلى عصرنا الحالي يمكنني أن أعتبر الطفلة الباكستانية (ملالا يوسفزاي) التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عندما كانت تبلغ من العمر 16 عامًا لتصبح بذلك أصغر حائزة على هذه الجائزة في عام 2014 على إثر نجاتها من رصاص الموت الذي أطلقه عليها فرد من مسلحي حركة طالبان في الحافلة المدرسية عام 2012؛ يمكنني أن أعتبرها نموذجًا حيًا لما أطلقتُ عليه سلفًا مسمى «ثورة الشغف» فلم يتوقف المشهد في قصة يوسفزاي عند نجاة طفلة تكافح من أجل الحصول على حقها في التعليم في منطقة تعاني من وجود حركة إرهابية تقوم بتفجير مدارس الفتيات وتمنعهن من الذهاب إلى المدرسة ولكنها كانت فيما سبق هذا المشهد من حياة في مجتمع متخلف مازال يخجل من إنجاب الفتيات وأب يدفع ضريبة فكره المستنير وسط ذلك الظلام كله ويصارع من أجل بقاء المدرسة التي أنشأها بعد عناء في بيئة مازالت تعاني من رزحها تحت وطأة النظامين الاقطاعي والرأسمالي.

هذه المعاناة التي عصفت بأبسط حق من حقوق الإنسان وهو حقه في التعليم شكل حالة من الشغف بالتعليم لدى «ملالا» جعلها تسبح ضد ذلك التيار ولا أعني بشغفها هنا نجاحها العلمي على المستوى الشخصي بل أعني شغفها في نشر حب العلم والتنوير لكل من يحتاج ذلك قدر المستطاع، وتمكنت يوسفزاي من تحقيق ذلك بالفعل فهي اليوم خير سفيرة للتعليم إذ تعمل على توعية الفتيات من مختلف البلدان الفقيرة بأهمية التمسك بهذا الحق مهما بلغت الصعوبات التي تحول دون ذلك.

ختامًا.. لا أعني من خلال هذا المقال بأن جميع المبدعين في هذا العالم قد تعرضوا لمعاناة ما في حياتهم أو أننا بغير المعاناة لا يمكننا أن ننجز عملاً مميزًا ولكن ما أعنيه هو أن الإبداع الذي ينجبه الألم دائمًا يكون الأكثر صدقًا في عطائه والأجمل في عمق بقائه في ذاكرة الحياة!

إيمان عباس

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news