العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات.. متحف الحرب الإمبراطوريّ البريطانيّ والسرديات الحربيّة الكبرى!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٧ ٢٠١٩ - 10:22

تعجبني المتاحف المتخصصة التي لها سردياتها الجليلة الكبرى، ومن هذه المتاحف التي زرتها مؤخرًا «متحف الحرب الإمبراطوريّ» Imperial War Museum بلندن الذي هو واحد من أهم المتاحف الحربية والعسكرية في العالم. ويعود تأسيس هذا المتحف إلى عام 1917؛ أي في الذروة من الحرب العالميّة الأولى التي شارفت آنذاك على الانتهاء ليمثل ذاكرة الحرب العالمية الأولى التي كانت فيها بريطانيا لاعبًا رئيسيًا واستراتيجيا هو الأهم بوصفها الدولة العالمية العظمى آنذاك. لقد أرادت الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس تخليد مشاركتها في تلك الحرب بمتحف يضمُّ بعض مقتنيات الحرب العالميّة الأولى من الطائرات والدبابات والمدرعات والأسلحة وخرائط الحروب والخطط العسكرية، وحتّى متعلقات الجنود الشخصيّة ورسائلهم إلى أهاليهم إلى جانب بعض المدوّنات التي أرّخها مواطنون عاديون كانوا شهود عيان على ذلك الحدث العالميّ التاريخيّ. وقد تطوّر المتحف مع مرور السنوات فضمَّ قسمًا خاصًا بالحرب العالمية الثانية بما في ذلك القسم الفني الخاص بلوحات تؤرَّخ المساهمة البريطانيّة في أحداث سياسية وعسكرية غيّرت وجه العالم كلّه. 

وفي القسم المتعلق بالحرب العالمية الثانية سنجد التطور الهائل الذي جرى للطائرات والمعدات العسكرية التي أصبحت أكثر حداثة وتطورًا من بدائية المعدات العسكرية الخاصة بالحرب العالمية الأولى. 

وفي هذا القسم سنكون أمام أفلام سينمائية أرشيفية توثيقية تؤرِّخ الدمار الشامل الذي حلَّ بأوروبا وبمناطق أخرى في العالم أثناء الحرب العالمية الثانية.

ولم يقتصر المتحف على الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإنَّما أرّخ كذلك مساهمة بريطانيا في حروب لاحقة بما في ذلك حرب الفوكلاند ضد الأرجنتين وبعض الحروب في منطقة الشرق الأوسط. ويتكون المتحف من خمسة طوابق تضمُّ مقتنيات حربية إلى جانب أقسام معاصرة تضم مقتنيات حروب ومناطق توتر سياسي في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان. 

والرائع في المتاحف البريطانية هو ذلك التوثيق الدقيق للمقتنيات والأحداث، وجعلها في مسار سرديات تسرد حكاية تلك الحروب بطريقة جاذبة ومؤثرِّة جدًا. 

أعجبني في هذا المتحف وجود قسم خاص لكيفية حماية التراث الثقافيّ من الحروب، وفيه عرض لمبادرة اليونسكو الخاصة بحماية التراث الثقافيّ من دمار الحروب. وقد صُمِمَ هذا القسم بطريقة ذكية للغاية قائمة على الوسائط التفاعليّة، وهو يعرض أهم الآثار العالمية التي تعرَّضت للتدمير بفعل ويلات الحروب، ويطرح سؤالاً على قدر كبير من الأهمية هو: كيف يمكننا حماية التاريخ من الدمار؟ ومن الاقتباسات الجميلة التي تصدَّرت واجهة هذا القسم من المتحف عبارة مقتبسة من المتحف الوطنيّ الأفغانيّ بكابول تقول العبارةAnation stays alive when its culture stays alive. وبالفعل تحيا الأمم والجماعات وتعيش فقط في ظلّ وجود هويتها الثقافية، ومتى ما طُمِسَتْ هويتها ستفقد هذه الجماعات جذورها وستتلاشى سريعًا وسيغمرها النسيان لأنها فقدت ذاكرتها الثقافيّة الجمعية. 

وهذا القسم يعرض كذلك بعض وسائل صون التراث الثقافي من الحروب منها لعبة ابتكرها أستاذ جامعي أمريكي وهي كوتشينة (أوراق لعب) تحمل كلّ ورقة صورة لأحد الآثار مع عبارة حافظوا على هذا الأثر من دمار الحروب. هذا فقط بعض القليل مما رأيتُ وشاهدتُ في هذا المتحف العالميّ الاستثنائيّ. 

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث، كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news