العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة.. أوراق الــذكـــــرى

ترجمة: عبدالحميد القائد

السبت ٠٧ ٢٠١٩ - 10:21

قصة للكاتبة الإنجليزية إليزابيث بينز  هذه هي الذاكرة:

في الأسفل يتدفق جدول بني خافت يهسهس، وهناك هسهسة أخرى طويلة متواصلة، إنها صوت العجلات ووقع أقدام مسترخية، مترهلة، إنها خطوات المربية. أضع مرفقي على الجزء الأسود المزرّق الذي يتداخل فيه خط ناصع البياض ينحدر تدريجيًا وبخلسة حين أستدير برأسي في محاولة للاتكاء، أضع يدي في الجدول شاعرة بدغدغة النتف الصغيرة الجافة.

«ادخلي يديك» قالت المربية.

يدا المربية تمسكان بالمقود وبينهما مصابيح صغيرة تحدث ومضات وتوهجات، النتف الجافة تهسهس.

يشعر المرء بالإرهاق وهو جالس في العربة التي لا تحدث غير الجلبة والضوضاء. أنظر حولي.. كل شيء يخفق ويتحرك بلا توقف.. أوراق الأشجار المتساقطة تتطاير بشكل مضطرب.

من أين أتت هذه الأوراق؟

«من فوق» قالت المربية.

الأشجار فوق.. وفوق كله أخضر.. أخضر وأسود تحت السماء.

«لقد تساقطت» قالت المربية «الأوراق البنية هي التي سقطت».

 

إنها تبدأ بالتحرك.. نحن على وشك الصعود على التل.. انزلق إلى الأمام.. قدماي تضغطان في الأسفل.

طق..طق.. والعربة تسير.. لون الأشياء المحترقة.. الأشياء المحترقة تتساقط. 

النتف المحروقة قد سقطت 

«ادخلي يديك» قالت المربية.

نحن الآن في منتصف الطريق على التل.

وأرى بعدها.. بعد كل شيء.. بعض الأشجار متساقطة.. أعالي الأشجار أقل انخفاضًا من وسطها..

ومربيتي تمشي على حافة العالم.

 (هذه قصة العائلة: لديها ستة أحفاد.. وهي تقودني على التل لرؤية أختي الصغيرة التي أطلت على الوجود مؤخرًا).

في الذاكرة: هي أطول من الأشجار

عجوز.. كلماتها.. ترتعش حين تحاول الحديث.. يدها ملتفة بالمقود.. والعربة تسير.. طق.. طق.

«ادخلي يديك» قالت «إنك كبيرة بما يكفي لتعرفي ذلك» أنا كبيرة.. ولكنها أكبر.

لكنني أكبر مما كنت.

والآن هناك من هو أصغر مني.

نذهب تحت الأشجار.

بقع داكنة تقفز في العربة ثم ترتد خارجة.

التل شديد الانحدار.. تنحني لتدفع العربة.. كلماتها المرتعشة تنضم إلى يديها «إنك ثقيلة حقًا» قالت وهي تدفع العربة «وزنك لا يستهان به».

أنا ثقيلة.. أنا كبيرة.. لكنني احتاج للدفع. وهي تستطيع أن تدفع.

النتف البنية تهسهس.. بقع غامقة تلطخ وجهها ويديها.

من أين جاءت هذه البقع؟

«من الأشجار» النتف البنية تتساقط.. وبقع غامقة تتطاير متساقطة من الأشجار.

في الأسفل والخلف هناك حفرة زاهية الإخضرار مليئة بالوسائد المصنوعة من أوراق الأشجار. 

مربيتي تركل أوراق الأشجار بقدميها.

 (كانت العربة قديمة.. استخدمتها في الماضي لأطفالها).

خرجنا للشمس ثانية.. ويتوقف تساقط البقع السوداء.. تلمع أجزاء العربة زرقاء مغبرة.. فستان مربيتي الأزرق الداكن يبدو باهتًا.. تتضح ملابسنا أكثر فأكثر بينما هي تتحرك.. تلسع الشمس فخذاي.. نتف جافة تطقطق بين العجلات.

يداها الآن ممتدة فوق العربة وهي تلمع.

البقع البنية ساكنة وأقل حركة.

انظري، لقد تركت الظلال آثارًا.

«أوه» قالت المربية «إنها آثار التقدم في السن».

جئنا من خلال الأشجار.

إنها أكبر سنًا.

وأنا أكبر.

إنها تمسك بإحكام دافعة العربة إلى أعلى قمة في العالم.

 (لم تكن شابة حينما تزوجت.. كان زوجها الخجول الهادئ ابن السكير.. أصغر منها سنًا.. أنجبت له أربعة أطفال.. جالت بهم في عربة زرقاء كبيرة).

أمسكت بعدد أكبر من النتف البنية.. تك.. تك.

ملت لكي أرى

«لا تميلي» قالت المربية.

نصل القمة.. توقف العربة.. وتستقيم لتلتقط أنفاسها.. يهرب وجهها من بين يديها.. تضع دبوس الزينة في صندوق بجانب السرير.. سريرها.. وجدي.. جدي يرفعني:

«يا الهي إنك ثقيلة حقًا»

وزني لا يستهان به

ونحن طوال القامة مستريحون على قمة العالم.

(لم يكن مثل معظم الرجال: لا يشرب الخمر.. مكافح.. لطيف مع الأطفال، كانت تحب ذلك الزوج).

تنظر تحتها وحولها إلى النتف الجافة في العجلة.. تنحني.. يصبح رأسها تحت العربة.. تستخدم يدًا واحدة واليد الأخرى تقبض على المقود.. اميل برأسي لأراقبها: شعرها مفرق إلى قسمين بدبوس بني.. ومشطها مغروز في شعرها مع الدبوس.

على جلد مفرق الشعر أرى بثورًا غامقة.. أقوم بحركة واحدة.. ينتفض رأسها تحت العربة.. تتأرجح العربة فأمسك بجوانبها.

قالت «لا تميلي على جانب العربة.. سوف تسقطين.. وزنك لا يستهان به»..

أنا لا يستهان بي

أنا أكبر.. أكبر من الطفل

انتظر، واقفة في العربة بينما تقوم بتنظيف العجلات على حافة العالم.

 (قليلون هم الذين نجحوا في تحقيق زيجة ناجحة كهذه.. حتى بناتها لا يتوقعن أن يكن بهذه السعادة ومع ذلك كن يحملن الكثير من الحب لأزواجهن).

إنها تقف

إنها تلهث

قالت «من الأفضل أن نمضي وإلا اضطرت أمك إلى إرسال أبيك للبحث عنا».

أبي يطوحني في الهواء ناحية السقف.. ثم أقع.. يدا مربيتي تتسللان خلف رأسها غارسة المشط في شعرها.. بطنها منتفخ لكنه سيلتف حول العربة.

تهتز العربة بعنف ثم أراها تعدو.. كل شيء ينزلق.. وأرى شعرها يتطاير بعيدًا عن جبهتها.. خصلات شعرها تهرب.. يسقط مشطها ويختفي: قطعة بنية مرمية في جانب من العالم.

(أنجبت أربعة أطفال.. عاش منهم ثلاثة).

اللقطة التالية في الذاكرة: يداها على الباب.. تضمني إلى صدرها..

اشعر بأنني مطوية تحت كرشها.. رائحتها نتنة بطعم الحلاوة.. يداها المبقعتان تدفعان الباب الخشبي وينفتح.. ويمرق صوت أمي من خلاله.

«ادخلي.. تعالي.. أين أنتِ؟»

الحجرة معتمة من الداخل.. والدتي جالسة على الفراش كاشفة عن ركبتيها على هيئة جبل.

هناك شيء على وجهها

تقول لي: «ها هي أختك الصغيرة»

ما هذا الشيء الذي على وجهها؟

تحاول مربيتي لفت انتباهي: «انظري إلى أختك الصغيرة»

هناك بقعة بنية كبيرة على خد أمي.. تبتسم.. الشيء البني ينتفض

قالت: «إنه مجرد حرق صغير».

أمي تتطلع إلى مربيتي قائلة: «إنه من تأثير الأثير.. لقد انزلق القناع».

تحملني مربيتي هذه المسافة وراء الجبل لتقول لي: انظري، هذه أختك الصغيرة! مربيتي تومئ برأسها لأمي.

(أنجبت أربع مرات وفي المرة الرابعة كان جنينًا ميتًا).

هذا كل شيء، ليس هناك رجال في الذاكرة غير وجه أمي مع الحرق المتصلب.. والبشرة التالفة للطفلة المرمية على الجبل: على حافة العالم بالقرب منها ومن مربيتي أراها واضعة يديها في حضنها: مطويتين وهامدتين.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news