العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

(تجارة مع الله) فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا

الجمعة ٠٦ ٢٠١٩ - 10:18

بقلم - رجاء يوسف لوري:

إلى كل مُبتلى في هذه الدنيا، تدبّر الآية (48) في سورة الطور، قوله تعالى:

‭{‬وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ

اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ‏ (49)‭}‬ سورة الطور.

اقرأها بقلبك - لا بعينيك - وأدركها بعقلك ووجدانك، إنني في كل مرّة أقرأها يخالجني شعور جيّاش مُتناقض ما بين حزن وفرح والرغبة في البكاء، أشعر بأنَّها موجهة لي، وأن الله تبارك وتعالى يطمنني ويبشرني.

في تفسير الآيات للشيخ عبدالرحمن السعدي، رحمه الله تعالى:

أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم ـ أن لا يعبأ بهم - المُكذبين - شيئًا، وأن يصبر لحكم ربه القدري والشرعي بلزومه والاستقامة عليه، ووعده الله بالكفاية بقوله‏:

‏‏‭{‬‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‭}‬‏ أيّ‏:

‏بمرأى منا وحفظ، واعتناء بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال‏:‏ ‏‭{‬‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏‭}‬ أيّ‏:‏ من الليل‏.‏

ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقوم إلى الصلوات الخمس، بدليل قوله‏:

‏‭{‬‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ‏‭}‬ أيّ‏:‏ آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر، والله أعلم‏.

إن آيات الصبر التي يدعو إليها القرآن الكريم ويحث عليها كثيرة، منها:

 يقول تعالى:

(... وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ...) 20 سورة الفرقان.

الرسول فتنة للمُرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين، والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار‏.‏

والقصد من تلك الفتنة ‏‭{‬‏أَتَصْبِرُونَ‏‭}‬‏ فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم، أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة‏؟

‭{‬رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ 126‭}‬ سورة الأعراف.

 أفرغ علينا: أفض، أنزِل، اسكب أو صُبَّ علينا. 

يقول تعالى:

‭{‬والصابرين فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ(177) ‭}‬ سورة البقرة.

«والصابرين» نصب على المدح| تفسير الجلالين.

«في البأساء»‏‏‏ أي‏:‏ الفقر‏،‏ لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة‏.

لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره‏.

فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم‏، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم‏،‏ وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم‏.‏

فكل هذه ونحوها‏،‏ مصائب‏، يؤمر بالصبر عليها‏،‏ والاحتساب‏،‏ ورجاء الثواب من الله عليها‏.‏

‏‭{‬‏وَالضَّرَّاءِ‏‭}‬‏ أي‏:‏ المرض على اختلاف أنواعه‏، من حمى‏،‏ وقروح‏،‏ ورياح‏،‏ ووجع عضو‏، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك‏،‏ فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف‏،‏ والبدن يألم‏،‏ وذلك في غاية المشقة على النفوس‏،‏ خصوصًا مع تطاول ذلك‏،‏ فإنه يؤمر بالصبر‏،‏ احتسابا لثواب الله ‏[‏تعالى‏]‏‏.‏

‏‭{‬‏وَحِينَ الْبَأْسِ‏‭}‬‏ أي‏:‏ وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم‏، لأن الجلاد‏،‏ يشق غاية المشقة على النفس‏، ويجزع الإنسان من القتل‏،‏ أو الجراح أو الأسر‏،‏ فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا‏،‏ ورجاء لثواب الله ‏[‏تعالى‏]‏ الذي منه النصر والمعونة‏،‏ التي وعدها الصابرين‏.‏ للسعدي.

ويقول تعالى:

‭{‬الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ17‭}‬ سورة آل عمران. 

فقال ‏‭{‬‏الصابرين‏‭}‬‏ أنفسهم على ما يحبه الله من طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة.

وقوله تعالى:

‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ‭}‬ (200) سورة آل عمران.

ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو‏:

‏الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس

على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة

على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك‏.‏

والمصابرة أيّ الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام... تفسير الآيات للعلامة عبدالرحمن السعدي - رحمه الله تعالى - 

‏‭{‬ ‏ربنا ولا تُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به‏ (286)‭}‬ سورة البقرة. 

اللهُمَّ نسألُك الرضَى بعد القضاءِ، ورَضِّنِا اللهُمَّ بِقَضَائِكَ.

وأن تجعلنا من المجاهدين الصابرين في سبيل الله تعالى. 

تجربة الشاب حمود جاسم حمود مع مرض السرطان:

لقد أخبرتني إحدى الداعيات الفاضلات «صاحبتي» - هكذا أناديها - بأن ابن اختها قد أصيب بمرض خطير، وأن الله تبارك وتعالى قد منَّ عليه بالشفاء، فوثّق تجربته في كتاب - أنا على يقين بأن الله تعالى هو الشافي، وأن ذلك ليس عليه بعزيز - ولكن الذي أدهشني في الأمر هي تجربته مع الآية (48) من سورة الطور! فأحببت أن أتحدث إليه، وأن أنشر جزءا من كتابه.

يقول الابن حمود في كتابه (عودتي إلى الحياة):

(... ثلاثة أيام مضت في انتظار نتائج الفحوص والتحاليل التي كانت كفيلة بالحصول على المُراد، دخلت علينا الطبيبة مع مساعدتها، وطلبت منا الاستماع للنتائج، أخبرتنا بطريقة مُباشرة بأنني مُصاب بمرض سرطان البلعوم الأنفي، وأنه في مرحلة مُتقدمة، وانتشر إلى الغدد اللمفاويّة..!!

لم أستوعب ما قالته، أمرتها بإعادة شرح النتائج مرّة أخرى إلى أن استوعبت الموضوع.

كانت صدمة لا تُصدّق... أصابتنا بالذهول، ففي الماضي كُنا نسمع بمرض السرطان، واليوم أنا مُصاب بالسرطان!

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ويتابع:

أحمد الله تعالى على نعمة الرضا بالقضاء والقدر، أنا.. وأبي.. وزوجتي لم نجزع ولم نبكِ، وكأن شيئًا مسح على قلوبنا، فمن الطبيعي تأثر الإنسان لإصابته هذا المرض، ولكن يجب علينا الرضا بقضاء الله وقدره؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، فالله سبحانه وتعالى لا يبتلي إلاّ من يُحِبّ، والله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم، وهو أرحم بالعبد من نفسه ووالدته، وعلينا أن نصبر، ونحتسب الأجر الذي سنجنيه من هذا الإمتحان، يقول المولى جلّ جلاله:

(... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) سورة البقرة.

فالبلاء يُصيب الجميع، ولكن البشارة لا ينالها إلاّ الصابر.

ثم يقول:

وردت الكثير من التساؤلات في أذهاننا، تذكرت أمي... كيف ستكون ردّت فعلها؟! وما الطريقة المناسبة لتوصيل الخبر؟ تذكرت أفراد عائلتي وأحبائي... ماذا أفعل... ما الطريقة المثلى لإيصال الخبر إليهم؟ فكرت في المستقبل والوظيفة ودراسة زوجتي الجامعية وفي خططي وأهدافي التي كنت أسير نحو تحقيقها والكثير من الأفكار التي كانت تراودني... أخذت نفسًا عميقًا، ثم جلست.. وهنا حصل أمر عجيب غريب! 

فتحت المُصحف بشكل عشوائي فوقعت عيناي مباشرة على آخر آيات سورة الطور:

‭{‬وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِن

اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ‏ (49) ‭}‬ سورة الطور.

يقول الإبن حمود:

يالله!

أحقيقة أم خيال؟! أصبت بالذهول واقشعر شعر جسدي، شعرت بالدهشة والاستبشار.. أحسست بأنها رسالة مباشرة لي، وكأنها تقول: اصبر على المرض، وأكثر من ذكر الله، وقم الليل بالصلاة، والدعاء وستُشفى من المرض بإذن الله تعالى!

فلو قال لي أحد ممن أثق به: (إنك في عيني) سأشعر حينها بالأمان والسعادة، فكيف إن جاءت من عند الله.

يارب، لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. 

قلت في نفسي: لماذا أشغل نفسي بحمل همّ المرض وبالأفكار السلبية ما دمت في عناية الله؟ لذلك قررت وبإصرار أنني سأواجهه بشراسة حتى يعجز الصبر عن صبري.. حمدت ربي على هذه الرسالة المُباشرة السريعة.. ثم تشاورنا في طريقة توصيل الخبر لأمي، كنت حريصًا على صحة أمي، فقررت الاتصال بأحد أخوالي، وأخبرته بالخبر، فحزن حزنًا شديدًا، وطلبت منه بأن يذهب إلى والدتي في البيت ليخبرها بالخبر، وأن يمنع جميع أفراد العائلة عن زيارتها ذلك اليوم؛ لكيّ لا ينقلب البيت إلى مجلس عزاء،

وقد قام مشكورًا بتلك المهمة الصعبة جدًا.

ووصل الخبر بعدها إلى أفراد الأسرة والأحباب، وكانت ردّة أفعالهم مختلفة، ربما يفضل البعض كتمان اصابته بالمرض عن الناس، لكنني قصدت من اعلام الناس بالخبر أن يدعوا لي بالشفاء. 

تلك كانت فقرة مختصرة لصراع الابن حمود، ومعاناته مع المرض والابتلاء، أردت مشاركتها مع القراء.

تحضرني الآية (40) من سورة (طه) أختم بها مقالي،

الله تبارك وتعالى يقول:

(... فَرَجَعْنَاكَ إِلَى? أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ)

 انتهى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news