العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات قانونية في وضع الرسل والرسالات في القرآن الكريم

الجمعة ٠٦ ٢٠١٩ - 10:18

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

رسم القرآن الكريم بدقة الوضع القانوني لرسل الله وأنبيائه. وقد ميز البعض بين الأنبياء والرسل على أساس أن مرحلة الرسل جاءت متأخرة وأنهت مرحلة الأنبياء. ووفقا لهذا البعض، الرسول هو من بعث ومعه رسالة وهذا ينطبق على الرسل الثلاثة موسى وعيسى ومحمد، وأما النبي فهو من بعث من دون رسالة. ولكن القرآن الكريم وصف الرسل بالأنبياء ولم يوضح أي فارق بين الرسول والنبي. لذلك فالمعنى الآخر له وجاهته وهو أن الأنبياء والرسل من اختيار الله سبحانه وتحت رعايته والله يعلم حيث يضع رسالته، والرسالة واحدة لكل مبعوثي الله إلى أقوامهم أنبياء ورسلا. 

ويمكن أن نلخص الوضع القانوني بعد ذلك للأنبياء والرسل فيما يلي:

أولا: الرسل والأنبياء بشر من أقوامهم، وعلاقتهم بأقوامهم ساءت بسبب ظهورهم برسالة التوحيد فعدّ ذلك خروجا على تقاليد أقوامهم في أدق المسائل وهى العقيدة، ولم ينج نبي أو رسول من أذى قومه بدرجات مختلفة، فقد أوذي عيسى من بني إسرائيل رغم قربهم من رسالة موسى وأوذي موسى عندما ارتد قومه بعد الهجرة من مصر وأغواهم السامري مع أخيه هارون عندما كان موسى يتلقى الألواح من ربه، كما أوذي محمد من قومه واضطروه إلى الهجرة بدينه إلى المدينة وحاربوه وآذوه لكنهم لم يكذبوه وإنما قالوا عليه ساحر وشاعر ومجنون، وقد ذمّ القرآن الكريم السحر والشعر والشعراء دفاعا عن نبيه كما نفى عنه صفة الجنون.

ثانياً: أن الله هو الذي اختار رسله وأنبياءه وحصّنهم لحمل الرسالة وتابع مسيرتهم ونصرتهم وحرس إيمانهم ضد إغواء أقوامهم ما داموا جزءا من ثقافة هذه الأقوام، فقد صنّفهم بمعيار خاص به سبحانه إلى مجموعتين: أولو العزم، وغير ذلك. ولكن القرآن أكد أنه لا نفرق بين أحد من رسله على سبيل التمييز. فإذا كان قدر النبوة في النبي أو الرسول واحدا فيهم جميعا، فإن القدرات البشرية عندهم تختلف ووجه صبرهم إلى ثقل الرسالة ومواجهة أقوامهم تتباين، وهذا هو الباب الذي نظن أن رسولنا الكريم قد اختصه الله بالمدح والإشادة في قوله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم» وقوله تعالى على لسان نبيه «أدبني ربي فأحسن تأديبي».

فالرسل تتباين منازلهم عند الله، ولكن القرآن أكد أننا لا نفرق بين هؤلاء الرسل، فكلهم كرام وهم رسل الله ونحن ممتنون لرسالاتهم التي تؤكد جميعا على الوحدانية لله والأخوة للبشر ووحدة الإنسانية في منطلقها ومآلها.

ثالثا: أن مهمة هؤلاء الرسل جميعا هي إبلاغ الرسالة بأقصى درجات الحلم والتواضع وحسن الخلق، فالرسل ليسوا وكلاء أو ممثلين أو نوابا عن الله، ولذلك عندما أحسّ عيسى الكفر من أتباعه قال لهم من أنصاري إلى الله؟ قالوا نحن أنصار الله.. هكذا مباشرة، ووظيفة الإبلاغ هي الوحيدة لكل الرسل، فليس عليهم هداية أقوامهم، أي أنهم مكلفون ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة كما يقال في اللغة القانونية، وسوف يكون المؤمنون شهودا على إبلاغ الرسول للرسالة، ولذلك ندعو في صلواتنا لرسولنا الكريم ونشهد له بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فاستحق المنزلة العالية الرفيعة وندعو الله أن ينالها. ثم إن الرسل سوف يكونون على رأس أقوامهم يشهدون عليهم ثم يأتي رسولنا الكريم شهيدا على الجميع «ثم جئنا بك على هؤلاء شهيداً»، بل إن أصحاب النار من هذه الأقوام سوف يشهدون بأن رسلهم بلغوا الرسالة لأن إبلاغ الرسالة والشهادة بالبلاغ شرط مسبق للحساب لقوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»، ويسأل حراس النار (سدنتها) كل فوج «ألم يأتكم نذير» فيؤكدون أنه جاءهم نذير ولكن كذبوه فاستحقوا العذاب.

رابعا: أن الله قد أخذ ميثاق النبيين «ألست بربكم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا بلى قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين».

خامساً: لا شك أن جزاء الرسل على رسالتهم في الدنيا سيكون الجنة ليس فقط لأنهم عملوا على إبلاغ الرسالة وكانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وإنما أيضا لأنهم قدوة لشعوبهم وأقوامهم. 

وإذا كان القرآن قد أرسل الملائكة في صورة البشر فقد أرسل الأنبياء فيهم البشرية والنبوة وهي تضبط وتعصم بشريتهم. ولذلك فإن التشديد ورد لانبياء ولكنه بالنسبة للبشر كلفهم بان يتقوا الله ما استطاعوا وهذا يعني التحفيز على التقوى، كما تشير إلى أعذار البشر إن قصروا لأن بشريتهم تشدهم إلى الأسفل ولكن الأنبياء تشدهم نبوتهم وحراسة الله لهم إلى الأعلى ومع ذلك قد يمنّ الله على بعض الصالحين من عباده بعلم لدني يمنّ به على أنبياء الله مثل قصة موسى مع الرجل الصالح.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news