العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (90)

الجمعة ٠٦ ٢٠١٩ - 10:17

بقلم: د. غريب جمعة

مع الإمام في رسالته: القياس في اللغة العربية

افتتح الإمام رسالته بكتابة مدخل إليها، نرى لزاماً علينا أن نقدم إليك بعض ما جاء فيه لأهميته الكبرى بعد أن أصبح واضحاً للعيان أن اللغة العربية تعيش محنة قاسية، -ولنكن صادقين مع أنفسنا- لقد أصبحت كالغريبة وإن كانت بين أهلها حيث زاحمتها -بل أزاحتها- لغات أخرى يطلقون عليها «لغة العلم» حيناً «ولغة التوظيف» حيناً آخر.. ولسنا ضد العلم الذي أصبح حديث الإسلام عنه بالمكرر المعاد ولا ضد التوظيف وتهيئة فرص عمل تفتح أبواب الرزق الحلال أمام الناس لأن البطالة مرتع خصب للشر والأشرار وللفساد والمفسدين.

ولكننا نقول أو نتساءل: لماذا لا يتم تعريب هذه العلوم تعريباً أميناً يفي بالغرض المطلوب مع تخصيص منهج لتعلم اللغات الأجنبية حتى يستطيع الدارسون والعلماء متابعة المؤتمرات التي تكون لغتها غير العربية. وقل مثل ذلك في تعريب الوظائف.

لماذا لا نعتز بلغتنا -لغة القرآن- كما يعتز الآخرون بلغاتهم بل يفرضونها فرضاً على البعثات الدراسية التي تأتيهم من خارج بلادهم؟ إن تفريطنا في حق اللغة العربية تفريط في جنب الله!! بسبب التواء ألسنتنا عند تلاوة القرآن تلاوة صحيحة أو نتدبره على الوجه الذي أمرنا الله به «أفلا يتدبرون القرآن» (النساء/82).

ولماذا هذا الهجر غير الجميل للغة التي اصطفاها خالق الألسن واللغات من بين اللغات جميعاً لتكون وعاء يحمل خاتم كتبه السماوية للناس كافة إلى يوم الدين؟

(ونعتذر للقارئ عن هذه السطور التي كان لا بد منها قبل الحديث عما كتبه الإمام).

- ما هي اللغة:

اللغة: كما قال ابن جِنِّي (عالم من كبار علماء اللغة العربية القدامى): أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.

وهي مزية عُرف بها الإنسان ولم يعرف في البشر أمة ليس لها لسان تعبر به عن حاجاتها، وقد حاول بعض الباحثين أن يثبت حرمان بعض الأمم من هذه المزية فلم يستطع كما أن العلم لم يستطع أن يثبت لغير الإنسان من الحيوان لغة تخاطب. وفي «دائرة المعارف الإنجليزية» أن هذه المسألة لا تزال تحت البحث.

- أصل نشأة اللغة:

تصدى للبحث في أصل اللغات كثير من الفلاسفة والمتكلمين واللغويين وذهبوا مذاهب شتى: هذا يقول: مصدرها التوقيف من الله تعالى.

(التوقيف: النص الشرعي المتعلق ببعض الأمور. والتوقيفي المنسوب إلى التوقيف. يقال أسماء الله توقيفية أي نص عليها الشارع).

وذلك يقول: مبدؤها الطبيعة، وآخر يقول: منشؤها الاصطلاح والتواطؤ.

والقائلون إن مبدأ اللغات التوقيف لا ينكرون أن تعدد اللغات ونموها من بعد كان بطريق الاصطلاح وعلى حسب الحاجة.

ورجح ابن حزم الأندلسي في كتاب «الإحكام» أن أصلها التوقيف من الله تعالى ثم قال: ولا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها وبها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها ثم قال: ولا ندري أي لغة هي التي وُقِّف عليها آدم عليه السلام أولاً. 

ومن الصعب على الفيلسوف أو اللغوي أو المؤرخ أن يحكم في أصل هذه اللغات حكماً فاصلاً وإنما يستفيد من بحثه في اللغات التي بين يديه أن تكون في أول أطوارها قليلة الكلمات غير متنوعة الأساليب ثم تغزر مادتها وتتعدد أساليبها على حسب ما يكون للناطقين بها من ثقافة وحضارة.

- تأثير الفكر في اللغة:

للفكر أثر عظيم في اللغة ولولا الفكر لفقدت اللغة خواصها ولم يكن لوجودها أية فائدة، فإن الفكر هو الذي يربط الألفاظ بمعانيها فيعمد إليها وهي أصوات فارغة فيردها كالأصداف تحمل من درر المعاني ما يبهر العقل، أو كالأغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه الأنفس.

والفكر هو الذي توسل به الإنسان إلى توسيع نطاق اللغة وتنظيمها فيدخل فيها عند الحاجة كلمات جديدة أو يبتدع فيها أساليب طريفة ويضع لها قواعد تساعد الناس على تعلمها وتحفظهم من الخطأ عند النطق بها.

ومن شواهد تأثير الفكر على اللغة أن اللغة لا يرتفع شأنها وتظهر فصاحة ألفاظها وغزارة مادتها وحسن بيانها إلا أن تلد أرضها رجالاً ذوي عقول نيرة وقرائح جيدة.

- تأثير اللغة في الفكر:

للفكر تأثير في اللغة كما أسلفنا بيانه، وهذا لا يمنع من أن يكون للغة تأثير في الفكر من جهة أن المعاني لا تتمايز ولا تخرج في وضوح إلا أن يشار إلى كل معنى بلفظ يخصه، فاللغة وسيلة إيضاح المعاني الغامضة وتنسيق المعاني المختلطة.

والرجل الذي يريد أن يؤدي المعنى في صورة منتظمة يفكر في اختيار الألفاظ والأساليب أكثر ممن لا يبالي أن تقع صور المعاني في ذهن مخاطبه مبهمة مختلطة.

واللغة تصور ما يخطر في الفكر من المعاني وهي التي تجعل المعاني محفوظة باقية. وكذلك يقول أحد الفلاسفة:

«الأفكار التي لا تودع في ألفاظ كالشرارة التي لا تبرق إلا لتموت» ولا تقتصر اللغة على نقل ما يجري في أقوال الأجيال الماضية من المعاني الحيوية، أو الآراء العلمية أو الأدبية، بل تنقل إلينا طرق تفكيرهم. ومن الواضح أن الأقوام يختلفون في طرق التفكير، وطرز تفكير كل قوم مبثوث في ألفاظهم ومدلول عليه بأساليب مخاطباتهم.

- هل يمكن اتحاد البشر في لغة واحدة؟

يقول الباحثون في اللغات: كانت اللغات في أول الأمر فقيرة مختلفة إذ كان لكل جماعة صغيرة من البشر لسان خاص وبكثرة اختلاط صنوف البشر واشتراكهم في المنافع أخذ بعض اللغات يقترب من بعض بل أخذ بعضها يندمج في بعض فقلّ عددها واتسع نطاق بعضها ثم رأى بعض علماء أوربا مثل (ديكارت): أن تعدد اللغات أدى إلى صعوبة التفاهم بين الأفراد المختلفة الشعوب وهذا مما يجعل سير المدنية بطيئاً فارتأوا وضع لغة جديدة لتكون لسان البشر جميعاً وقد سعى لإنفاذ هذا الرأي الطبيب البولوني: لودفنج زامنهوف (Ludving Zaminhof) فوضع اللسان (اللغة) المسمى: الإسبرانتو (Esperanto).

وقد اعتمد في تأليفه على ثمانية وعشرين حرفاً ووضع له ست عشرة قاعدة ومعظم كلماته من اللغة الرومانية والانجليزية، وفي العالم جمعيات تدعو إلى هذا اللسان يقدرونها بنحو 1776 جمعية (هذا وقت كتابة هذا البحث) وفي ألمانيا وحدها من هذه الجمعيات 441 جمعية مركزها الرئيس في مدينة «لايبسيك».

ولجمعيات العالم كلها مركزان أساسيان أحدهما في جنيف والآخر في باريس. وفي أوروبا وأمريكا والصين واليابان صحف تصدر بهذه اللغة وفي «دائرة المعارف الألمانية» أن عدد الذين يتكلمون بها يقرب من مائة وثلاثين ألفاً.

وإذ أمكن انتشار لسان من الألسنة حتى يعرفه جميع الأمم زيادة على ما يعرفون من لغاتهم القومية فمن الصعب جداً أن ينتشر بين الشعوب على اختلاف مواطنها، لغة تستولي على ألسنتها وتطمس على آثار لغتها، فإن الألسنة تابعة لأحوال التفكير والإحساس وهل من سبيل إلى أن تتحد الأمم في تفكيرها وإحساسها؟.

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news