العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف / 12 «وفاكهة وأبّا»

الجمعة ٠٦ ٢٠١٩ - 10:16

بقلم: عاطف الصبيحي

هذه سلسلة مقالات تنشد هدفا واحدا لا ثاني له، هو إثبات أن لا ترادف في القرآن على الإطلاق، وقبل البحث والتنقيب في المراجع اللغوية، فإنني بدايةً أستند إلى قاعدة وجدانية إيمانية بحتة مفادها أنّ العليم الخبير المحيط لا يعجزه اللفظ فيكرره ليكون كما يقول البعض هذه الكلمة ترادف تلك في معناها، ثمّ بعد الحفر في كتب اللغة لم تزد على قناعتي إلا التثبيت والتأكيد وأمدتني تلك الكُتب بعدد لا حصر له من الأمثلة التي تُثبت عدم الترادف في كتاب الله، ولو أننا أردنا أن نتتبع جميع الأمثلة، لوصلت هذه السلسلة الى مئات المقالات إن لم نقل أُلوفا، وليس هذا على سبيل المجاز أو المبالغة، بل حقيقة، لكن ما نُخطط له هو تقديم مجموعة مقالات في كل واحد عددا من الأمثلة، وعليها شواهدها من القرآن الكريم واللسان العربي، ونسأل الله تعالى الإخلاص في النية، والتوفيق في خدمة القرآن والإنسان، ونسأله القبول الحسن لما نحن بصدده، إنه سميع مجيب الدعاء.

الترادف جاءت من الردف، وله شاهد من القرآن «قل عسى ان يكون رَدِفَ لكم بعض الذي تستعجلون» والردف تعني التقارب، وعليه نسير ضمن هذه المنهجية طيلة هذه السلسلة، بأن ألفاظ القرآن متقاربة وليست متطابقة، وكل ما يأتي يدور حول هذه الفكرة اليتيمة، والآتي ما هو أمثلة تحقيقية.

ومن الآية التي تُزين العنوان نشرع بالتدليل على نظرية التقارب وعدم التطابق بين ألفاظ الكتاب الكريم، فالأبُّ هي طعام الحيوان ويُطلق على المرعى «وفاكهة وابّا» (عبس - 31) الفاكهة للإنسان، والأبّ للحيوان، وقال قتادة تأكيدا لهذا المعنى: الفاكهة لكم والأبُّ لأنعامكم، هو النبات المُعد للجز مما ترعاه السوائم، ويتقارب مع هذا اللفظ عدة معانٍ بدون تطابق مثل «الخمط» وهو الشجر الذي لا شوك فيه ويأكله الحيوان، «فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أُكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل» (سبأ - 16)، فالخمط يتميز بعدم وجود الشوك، وتتقارب معهما كلمة الأثل «وهو شجر لا طعم له» وأثلٍ وشيء من سدر قليل «وكذلك لفظة السدر وهي شجر قليل الفائدة ثمره كالزيتون ولونه أحمر، وأخيرا الضريع وهو الشجر ذو الرائحة النتنة» ليس لهم طعام إلا من ضريع».

كل ما سبق تجمعهم صفة النبات شجرا كان أو عُشبا، ولكل منهم صفة تميزه عن الآخر، وبذلك يحتفظ باستقلاليته كلفظ قرآني عما سواه مما يُظن أنه نفس المعنى، وكما يُفهم من النص أنّ هذه الأنواع استعملت في معرض العذاب باستثناء طعام الحيوانات.

ويعقُب الآية «وفاكهة وأبّا» (عبس - 31)، آية تؤكد أن الأب هو طعام الحيوان «متاعا لكم ولأنعاكم» (عبس - 32) الفاكهة للإنسان والأب للحيوان، والفاكهة هي اسم جنس عام تدل على عموم الفاكهة، ما يجعلها أشمل وأعم من لفظة «فواكه» التي تدل على التحديد، فالقرآن استعمل مع الجنة أو الأرض بعمومها «الفاكهة» ومع الجنات «البساتين» الأرضية التي يزرعها الناس استعمل الفواكه، فمع الجنة «لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون» (يس - 57) ، «فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام» (الرحمن - 11)، «فيها فاكهة ونخل ورمان» (الرحمن- 68) هذا مع جنة الله، ومع جنان الأرض نقرأ قوله تعالى «فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون» (المؤمنون - 19) ، وفي (الصافات - 42) «فواكه وهم مكرمون» وفي (المرسلات - 42) «وفواكه مما يشتهون». كلاهما فاكهة وتبقى الشمولية والمحدودية هي الخيط الفارق بين اللفظين، فهما متقاربان وغير متطابقين دلالية.

للكلمة القرآنية أهميتها لأنها أصل الدقة في التعبير القرآني، وكل كلمة ذات فلسفة خاصة بها، فالكلمة عندما تأتي نكرة تمتع بخصوصية في هكذا موضع، أو حينما تكون مُعرفة كذلك، وحتى تجاهل اسم ما ضمن حدث ما، له ما له من دلالات، كذلك إذا ذُكر اسم شخص أو مكان فلا يُذكر إلا لتأدية معنى ومعنى مهم لا غِنى عنه، لذا كما أشرت في البداية أنّ مُبدع كتاب الطبيعة ذلك الكتاب المنظور أيعجز عن أن يُنزل كتابا مُبدعا وبديعا بمفرداته المُعبأة تعبئة دلالية ما لا طاقة للبشر الإتيان بمثله على مر الزمان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news