العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الأشهر الحرم في الإسلام (2)

الجمعة ٠٦ ٢٠١٩ - 10:16

بقلم: د. علي أبو هاشم 

إن تعظيم حرمات الله تعالى من علامات التقوى في القلوب، ومن دلائل الإيمان الحق في النفوس، كما أخبر الله جل وعلا في قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ». الحج: 30. ويقول تعالى: «ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوب». الحج: 32. فالمؤمن الحق هو الذي يُعظم حرمات الله، ويستشعر هيبته وخشيته، ويذعن لجلاله، ويخاف غيرته تعالى على حرماته، ويخاف من معصيته وغضبه ويخشى عذابه ويرجو رحمته. ولا يتهاون بالمعصية ولا يسارع إلى الخطيئة، فمن يعظم أمر الله، ويعظم حرمات الله تعالى، ويستشعر عظمة الذنب، فإنها من علامات ودلائل تقوى الله وخشيته تعالى، يقول القرطبي رحمه الله: خص الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها وتعظيما، وإن كان منهيًا عنه في كل زمان. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: إنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا. أي (دفعه). ويقول بلال بن سعد: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلى مَنْ عَصَيْتَ. ومن تعظيم الأشهر الحرم. تعظيم حرمة المؤمن واحترام حقوقه، وعدم النيل من كرامته، والتعدي عليه. قَالَ صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يوم عرفة وهو في بلد حرام وشهر حرام: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. ويقول عبدالله بن عمر. رضي الله عنه. يومًا بعد ما نظر إلى الكعبة: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. وحرمة المؤمن عظيمة في كل أوقات الدهر، ولكنها أعظم في الأشهر الحرم. وهكذا يُربي الإسلام المسلم على مراقبة الله في أحواله وأقواله، واجتناب ما نهى الله عنه، وتعظيم ما عظمه الله. ليتحقق للمجتمع أمنه واستقراره، كما يؤكد الإسلام حرمة الدماء، ويدعو إلى صيانة النفس. إننا حين ننظر إلى منهج الإسلام من خلال الأشهر الأربعة الحُرم نرى بوضوح أن الإسلام يقوم على نشر السلام والأمن، وأنه وضع الحلول الناجحة والمفيدة في إنهاء البغي والاعتداء والظلم، حيث جعل ثلث شهور السنة للسلم والأمن يحرم فيها البغي والقتال وسفك الدماء، وهذا إعلان لجميع الأمم أن دعوة الإسلام للإصلاح والخير وإعمار الكون، وهذا لا يتحقق في ظل البغي والاعتداء والقتل وسفك الدماء، بل لا بد للحروب أن تضع أوزارها، ولابد أن يحل السلم محل الحرب، والأمن مكان الخوف، وهذه حقيقة ثابتة في الكتاب والسنة المطهرة، لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل أو مُغرض، ونحن نرى في أيامنا هذه الأمم التي تدعي التحضر والرقي، وترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، وغير ذلك من الشعارات التي ترفعها، كيف تُشعل تلك الدول نار الحروب في الأرض، وما ترتكبه من تدمير وإبادة باسم شعارات مُزيفة، وكيف تسعى للسيطرة والاحتلال لكثير من البلدان، كما حدث في بعض بلادنا العربية والإسلامية، وما أمر فلسطين والقدس والعراق منا ببعيد، كما يتضح مدى حرص تلك الدول على صناعة أسلحة فتاكة مُدمرة للبشر والحجر، وكأن الغاية منها تدمير الأمم والشعوب والسيطرة التامة على ممتلكات ومقدرات شعوب الأرض خاصة المستضعفين منهم، حيث لا ترعى فيهم ذمة ولا عهدا ولا رحمة، إننا حين نُدقق النظر نرى بوضوح أن الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وأنه الدين الذي تُصلح شريعته وأحكامه البشرية، وأن إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام باطل وزور، وإن قام بعض المنتسبين إليه بأعمال تُخالف المنهج الإسلامي، بفهم خاطئ، وعقيدة منحرفة، وبمساعدة أعداء الأمة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وإننا لنرى أفكارا متطرفة جدا عند غير المسلمين من أتباع الديانات الأخرى، تدعو للقتل وسفك الدماء مستندة إلى نصوص كتبهم المقدسة، فلماذا يتهمون الإسلام والمسلمين بهذه الصفة القبيحة؟ ولا يجرؤ أحد على أن يصف واحدا من أتباع تلك الديانات بصفة الإرهاب، ومن العجب أننا لا نرى دولة إسلامية احتلت دولة أخرى، أو أعلنت حربا أو حتى شاركت في الحروب العالمية الأولى والثانية مثلا، بل كانت بلاد وشعوب المسلمين ضحية لتلك الحروب التي قام جزء كبير منها على أراضيها، ولم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، وحينما جاء الإسلام كانت الجزيرة العربية وغيرها في حروب مستمرة، يأكل القوي الضعيف، وتُنتهك الحرمات والأعراض لأتفه الأسباب، فجاء الإسلام ليؤكد حُرمة الأشهر الحرم لنشر السلام وبسط الأمن، وتخفيف التوتر بين القبائل، وإيقاف الحروب والغارات التي كانت تقوم بها القبائل بين الحين والحين لأتفه الأسباب، تمهيدا لإنهاء القتال والبغي، وبسط الأمن والسلام. وأخبر القرآن الكريم أن عدم الالتزام بحرمة تلك الأشهر الحرم زيادة في الكفر، حيث كانوا يُؤخرون حرمة الأشهر الحرم إذا أرادوا حربا، وإن كانت الحرب قائمة لم يتوقفوا عنها، فحرفوا أمر الله تعالى في تعظيم الأشهر الحرم. يقول تعالى: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» التوبة:37.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news