العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هـل يؤسـس الـرئـيس تـرامب لـتـيار محافظ جديد في أمريكا؟

الخميس ٠٥ ٢٠١٩ - 10:14

بقلم: بوشار رينو ‭{‬

يسعى بعض المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحويل السياسة التي ينتهجها الرئيس الحالي إلى عقيدة. يتولى هذه المهمة مجموعة من المفكرين الأمريكيين المعروفين بانتمائهم إلى مدرسة فكرية وسياسية معينة يعملون على بلورة «تيار فكري قومي جديد» على أساس دروس فترة رئاسة دونالد ترامب التي بدأت سنة 2016. 

لم يعد يفصل الولايات المتحدة الأمريكية عن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها سوى سنة. في الأثناء تبدو «الترامبية» في طريقها إلى التحول إلى عقيدة سياسية منسجمة. قد يكون تاريخ ميلاد هذه «العقيدة الترامبية» في ذلك المؤتمر الذي عقد في منتصف شهر يوليو 2019 في العاصمة الأمريكية واشنطن تحت عنوان «الفكر القومي الأمريكي المحافظ» وقد شهد ذلك المؤتمر ميلاد مؤسسة بحثية جديدة (ثنك تانك) تحمل اسم «مؤسسة إدموند بورك فاونديشن».

يعتقد أن هذه المؤسسة البحثية الجديدة ستتسبب في تهميش عدة مؤسسات بحثية أنشئت في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق رونالد ريجان (1980-1988) على غرار مؤسسة هريتاج فاونديشن ومعهد كاتو ومعهد أمريكان انتربرايز، والتي تعتبر من أهم القلاع الفكرية للمحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية. يتزعم الفيلسوف والمفكر الديني الاسرائيلي يورام هازوني هذا التيار الذي يسعى إلى تحويل «الترامبية» إلى عقيدة سياسية. 

أقيمت الندوة المذكورة في نفس التاريخ الذي تم فيه اعلان استقلال الحركة المحافظة عن تيار المحافظين الجدد وعن الليبراليين الجدد والليبرالية الاقتصادية. أعلنت هذه الحركة المحافظة الجديدة أيضا القطيعة مع الريجانية (نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق الجمهوري رونالد ريجان وهي تعبر بالتالي عن ميلاد خط إيديولوجي جديد يتجلى في أفكار سياسي بارز هو تاكر كارلسن الذي يرى فيه البعض خليفة محتملا لدونالد ترامب. 

يقول كارلسن: «إن الخطر الأساسي الذي يتهدد اليوم قدرتنا على الحياة لا يأتي من الحكومة بقدر ما يأتي من هذا القطاع الخاص الذي يمارس الرأسمالية بالاستناد إلى شبكة من الشركات المتعددة الجنسيات من أجل أن يغرس في داخلنا وهما اسمه التقدمية الطوباوية التي تميز النخبة التي تنسب نفسها إلى العولمة». 

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية يبدأ عهد جديد في هذا التيار السياسي المحافظ الذي أصبح يقوم حول محورين أساسيين مستمدين من الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2016. 

يتمثل المحور الأول في استهداف العلاقات التجارية المختلة التي تربط ما بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وبقية دول العالم من ناحية أخرى، وخاصة القوى الاقتصادية الرئيسية في مقدمتها الصين التي باتت تقضّ مضجع الساسة الأمريكيين، وهو ما يعني التخلي عن النموذج الاقتصادي الذي اعتمد في فترة السبعينيات من القرن الماضي، ذلك أن الاقتصاد الأمريكي قد تخصص في إعادة تدوير الفائض من رؤوس الأموال التي تتوافر في الدول الأخرى.

أما المحور الرئيسي الثاني، والذي يمثل ركيزة أساسية في سياسة إدارة دونالد ترامب، فهو يتعلق بالهجرة. كان الديمقراطيون في الماضي يدافعون بقوة عن المهاجرين غير أنهم بدأوا بعد ذلك ينأون بأنفسهم تدريجيا عن مسألة الهجرة بسبب ابتعادهم عن الطبقات الشعبية واقترابهم التكتيكي من طبقة المهنيين والإداريين الذين يلعبون دورا متزايدا في السوق العالمية. يمكن أن نضيف محورا ثالثا يتعلق بالحذر من أي مغامرات عسكرية، وهو ما يتجلى اليوم في التردد الذي بات يغلب على السياسة التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب. 

شهد المنتدى المذكور عدة تدخلات من شخصيات يمينية بارزة وقد أسهموا في بلورة صورة هذه الحركة المحافظة الجديدة التي بدأت تولد من رحم السياسة التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب. 

كان من بين المتدخلين فيليب ثييل، رجل الأعمال المعروف في سيليكون فالي، الذي يمثل معقل التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة، وهو من المتعصبين لسياسة التبادل التجاري الحر. صب هذا المستثمر المؤيد للرئيس دونالد ترامب وسياساته جامّ غضبه على الجميع ووجه سهام انتقاداته لشركة غوغل التي تتعامل مع الصين وتساعد بكين على تنفيذ أهدافها ومخططاتها، كما وجه انتقادات لاذعة لكل من جامعتي هارفارد وييل وطالب بتجريدهما من صفتهما كمؤسستين أكاديميتين غير ربحيتين. 

أظهر المنتدى المذكور التصدع الكبير والشرخ الإيديولوجي العميق الذي أصبح اليوم قائما ما بين الليبرالية الجديدة من ناحية والتيار القومي المحافظ الجديد الذي بدأ يولد من رحم مرتكزات السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

قد يجد الناخب الأمريكي في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سنة 2020 ما بين مشروع محافظ، منبثق من رحم سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب وقائم على مبادئ وقيم غامضة قد تفضي إلى بلورة مشروع امبريالية، وبين مشروع آخر يقوم على مبدأ «الرأسمالية الكونية»، يدافع عنه الديمقراطيون. 

اعتبر محللون أن الحديث عن وجود فلسفة «ترامبية» يعطي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكبر من حجمه وأن السياسات التي ظل ينتهجها منذ وصوله إلى البيت لا تعدو أن تكون ضربا من ضروب الشعبوية التي ترمي إلى نيل مكاسب سياسية وانتخابية سريعة وسهلة، غير أن هذه الشعبوية «الترامبية» قد تركت أثرها على العلاقات الدولية واجتاحت عدة دول أخرى في العالم، من بينها بعض البلدان الغربية مثل فرنسا وألمانيا.

‭{‬ الكاتب، أستاذ في كلية القانون بجامعة واشنطن وهو مؤلف عديد الكتب من بينها كتاب «كريستوفر لاش - الشعبوية الفاضلة» وقد صدر سنة 2018 عن دار ميشالون. 

 

لوموند

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news