العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تداعيات تعليق عمل البرلمان البريطاني

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ٠٥ ٢٠١٩ - 01:00

 أعلن رئيس الوزراء البريطانى «بوريس جونسون» يوم 28/8/2019 تعليق عمل البرلمان مدة خمسة أسابيع قبل الموعد المقرر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر القادم. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء المُتخذ دستوري فإنه قُوبل بالرفض العام، وأثار عددا من التحديات القانونية غير المسبوقة للحكومة البريطانية منذ قرار توني بلير المشاركة في حرب العراق مع الولايات المتحدة عام 2003. 

ولا يُعدّ إيقاف عمل مجلس العموم مألوفا في السياسة البرلمانية البريطانية. ومن المعتاد أن يُعلق العمل مدة أسبوعين تقريبا، بما يُتيح للحكومة المجال لتأسيس برنامجها التشريعي للدورة القادمة. ووفقا لبعض المحللين، فإن إحدى النتائج المترتبة على وقف عمل المجلس هي «تضرر العملية الديمقراطية البريطانية»، التي تعد الأقدم والأفضل أداءً في العالم، إذ سعى «جونسون» للحد من الحوار البرلماني والتدقيق الرقابي لعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما أخلّ بميزان القوة والسلطة في الحياة السياسية الداخلية. ومن الناحية الدستورية، يتمتع البرلمان بالسيادة في امتلاك سلطة إلغاء أي قرارات حكومية تفتقد الشعبية على نطاق واسع. 

وبصرف النظر عن التداعيات التي قد تصل إلى مجلس العموم، فإن القرار يمثل إهانة للدستور البريطاني ذاته. يقول «آلان رينويك»، في صحيفة «التليجراف»، إن «قرار وقف عمل المجلس لا يقوض عمليتنا الديمقراطية فحسب من خلال تكميم أفواه أعضاء المجلس، بل يسيء أيضًا إلى دستورنا». 

من جانبه، دافع «جونسون» عن قراره قائلا: إن «الدورة البرلمانية الحالية هي الأطول منذ 400 عام؛ فقد استمرت ما يقرب من 340 يومًا متقدمة على ثاني أطول دورة استمرت 205 أيام بين عامي 2011 و2012». مضيفا أن القرار كان بسبب «طرح أجندة تشريعية محلية جريئة وطموحة لتجديد نهضة البلاد بعد البريكست». وصرح «جيمس كليفرلي» نائب رئيس حزب المحافظين المؤيد لجونسون بـ«أن هذا الأمر تفعله كل الحكومات الجديدة». 

وعلى الرغم من ذلك فإن الجدل الناجم عن قراراته ينبع من السمة غير الشرعية التي تبدو جلية في نواياه. يقول «آصف حميد»، في موقع «ذا كونفرزيشن»، إن «الحكومة أوقفت عمل المجلس لأسباب سياسية حزبية، بالنظر إلى توقيته ومدته في الظرف الراهن». ويثير التوقيت جدلا بشكل كبير، إذ من المقرر أن يتم تعليق العمل في الفترة من التاسع أو الثاني عشر من سبتمبر حتى 14 أكتوبر. ويمكن خلال هذه الفترة استئناف العمل فقط في يوم 3 سبتمبر، للعودة من عطلة البرلمان، وبذلك سيتبقى اثنا عشر يومًا فقط أمام البرلمان للطعن في موقف الحكومة بشأن الخروج، الأمر الذي يمنعه من الوصول إلى اتفاق قبل 31 أكتوبر.

ويرى معظم المراقبين أن تعطيل عمل البرلمان وسيلة للتحايل على قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي. يقول «جاك سيمسون كيرد»، من «كلية لندن للاقتصاد»، إن «المغزى الأساسي وراء ذلك هو عرقلة النواب عن سن تشريعات من شأنها فرض التمديد للعمل بالمادة (50) من معاهدة لشبونة، والتي تنص على أن أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي راغبة في الخروج منه تحيط المجلس الأوروبي علمًا وتتفاوض على ذلك على ألا تتجاوز مدة المفاوضات سنتين إلا في حالة موافقة جميع الدول الأعضاء الأخرى على تمديد هذه الفترة». 

وبالنسبة إلى بعض فإن محاولة «جونسون» حرمان البرلمان من فرصة التأثير على قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي يُمكن تفسيرها كـ«استراتيجية انتخابية». يقول «أريس جورجوبولوس»، من «جامعة نوتنغهام»، إنه «من وجهة نظر سياسية، يهدف القرار إلى إعداد المشهد السياسي قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة بما يتماشى مع صالح رئيس الوزراء»، حيث «سيبدو هو المدافع الحقيقي عن البريكست، وأن النظام لم يُتح له إتمام ذلك، ما سيؤدي إلى حشد الأصوات المؤيدة له وتهاوي حزب «نايجل فاراج» الجديد الذي تصدّر الانتخابات الأوروبية وفي الوقت نفسه سيُقسّم الأصوات المتبقية في العديد من الأحزاب». 

وتحظى سياسة تلاعب «جونسون» بالنظام البرلماني، بما يتلاءم وأجندته الخاصة فيما يخص مغادرة منطقة اليورو من دون اتفاق؛ بدعم عدد من الأطياف السياسية. وتعهد عدد كبير من النواب المحافظين، وخاصة وزراء الحكومة، بدعم المبادرة. ورفض «مايكل جوف»، وزير التعليم السابق ووزير البيئة في التاسع من يونيو فكرة أن التعليق «لن يكون متماشيًا مع التقاليد الديمقراطية»، مؤكدا أن «البرلمانيين سيكون لديهم متسع من الوقت لمناقشة مسألة الخروج»، كما يحظى بدعم من قبل أحزاب أصغر، مثل «الاتحادي الديمقراطي لأيرلندا الشمالية»، وحزب بريكست، بزعامة نايجل فاراج.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمثل هذا الدعم إلا نسبة صغيرة في البرلمان وفي جميع أنحاء البلاد؛ بسبب المعارضة الصريحة لسياسات جونسون. وفي المقام الأول، تتألف المعارضة من أولئك الذين صوّتوا على بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016. ويرى «جوناثان فريدلاند»، في صحيفة «الجارديان»، «أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق سيُلحق الضرر باقتصادها، ويقلل من نفوذها بالخارج، ويقلص الآفاق أمام الجيل القادم؛ مع فقدان الشباب البريطانيين الحق في العيش والعمل بأوروبا». ولهذه الأيديولوجية أتباع رئيسيون في حزب المحافظين، إذ وصف النائب «دومينيك غريف» هذه الخطوة بأنها «عمل شائن»، مُحذرًا من أنها قد تؤدي إلى تصويت بحجب الثقة عن جونسون، قائلاً: «هذه الحكومة ستنهار».

بدوره، انتقد «حزب العمال»، بما أنه الأكبر، بشدة خطط الحكومة للتعليق. وتعهد «جيرمي كوربين»، رئيس الحزب بمقاومته بأي طريقة ممكنة. وقال في 29 أغسطس: «ما يحدث هو غارة عنيفة على ديمقراطيتنا، وأن التعليق يأتي لمنع مناقشات جادة»، مؤكدا أنه «سيحاول إيقافه سياسيا من خلال سن تشريع لمنع الخروج بدون صفقة، ومنعه من إغلاق البرلمان خلال هذه الفترة البالغة الأهمية». فيما أدانته أحزاب معارضة أصغر، مثل «الوطني الاسكتلندي» و«الديمقراطيون الليبراليون» و«بليد سيمرو»، وقالوا في بيان مشترك إنهم: «يدينون الأفعال غير الديمقراطية لرئيس الوزراء»، مشيرين إلى أن هذا التعليق هو الأطول في التاريخ الحديث، ويأتي في لحظة حرجة في تاريخ البلاد وعملية بريكست، ويحرم النواب من محاسبة الحكومة، أو اتخاذ أي قرارات أساسية.

وعند مقارنتهم بالفصائل الداعمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن معارضي تعليق البرلمان يتفوقون من الناحية العددية. مما أدى إلى استنتاج البعض أنه «على الرغم من الفترة الزمنية، فإنهم سيسعون إلى التغلب على التعليق عن طريق فرض تدابير مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد عبر البرلمان في سبتمبر وأكتوبر». ولنجاح مسعاهم، يجب أن يوحدوا جهودهم، إذ لا يمكن لفصيل واحد، ولا حتى حزب العمال، أن يكون له الغلبة في مجلس العموم بمفرده. 

لكن بالنسبة لبعض المحللين، فإن هذا لا يعدو كونه مجرد أمنيات. وأوضح «مادي ثيمون جاك» -من «معهد الحكومة»- أن النواب الذين يعارضون الخروج بدون اتفاق سيحتاجون إلى صياغة مشروع قانون يُشعِر أغلبية البرلمانيين بالرضا وأنهم قادرون على دعمه، وأضاف أن أي مشروع قانون قد يثير الكثير من الجدل ولن يلقى صدى وسيحتاج إلى موافقة مختلف الأطراف المعنية. ولعل هذه الانقسامات والاختلافات حول بعض القضايا الأساسية الخاصة بالمشروع تعني أنه من غير المرجح أن يكون هناك حلّ وسط في ضوء ضيق الوقت الزمني الذي قد يمكنهم فيه تقديم التشريعات وإقرارها.

واقترح آخرون، بدلاً من إصدار تشريعات بهدف تأخير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ضمان تجنب سيناريو الخروج بدون اتفاق، أن يتفق المناهضون والمعارضون على التصويت بحجب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء جونسون؛ وهو الإجراء الذي قد يضفي طابعًا رسميًا على فقدانه السيطرة على مجلس العموم وإسقاط حكومته. 

ومع ذلك، فإن الانقسامات الحزبية قد تجعل هذا الاحتمال غير مرجح. يقول «جيمس فورسيث»، في صحيفة «ذا سبيكتاتور» البريطانية: «ليس هناك الكثير من أعضاء حزب المحافظين ممن يرغب في رؤية «جيرمي كوربين» داخل مبنى رئاسة مجلس الوزراء، ولا سيما أنه ومساعديه لا يوجد بينهم وبين حزب الديمقراطيين الأحرار أي توافق في الآراء، كما أنه ليس من مصلحة كوربين السماح لأي شخص آخر بأن يصبح رئيسًا للوزراء». وهو ما يعني أن الاتفاق على مرشح بعينه ليحل محل جونسون أمر شبه مستحيل تمامًا.

على العموم، يبدو أن رئيس الوزراء «بوريس جونسون» لا يهتم كثيرًا بالتأثيرات والتداعيات التي ستحدث لمجلس العموم ولا للمعايير الديمقراطية البريطانية. وبدلاً من ذلك، يأمل أن يصل إلى اتفاق للخروج من الاتحاد الأوروبي إما وفق شروطه، أو على الأرجح بدون اتفاق، وهذا ما يخدم أهدافه الأيديولوجية والانتخابية في الوقت نفسه. وعلى الرغم من وجود معارضة كبرى، فإنه استطاع المناورة بطريقة تجعل تشكيل تحالف فعال ضد قراره أمرًا مستحيلا تقريبًا في مدة لا تتعدى الـ12 يومًا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news