العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

المال و الاقتصاد

الطب الخاص.. بين ميزانية المواطن ودعم الاقتصاد

الأربعاء ٠٤ ٢٠١٩ - 01:00

91% يشكون المبالغة في رسوم المستشفيات الخاصة.. ورغم ذلك 64% يلجأون إليها!


العرادي: لا نتحدث عن دكاكين تفتح.. وكلفة الطب الخاص عندنا أقل من ثلث مثيلاتها في دول مجاورة


 

إعداد: محمد الساعي

أظهر استطلاعان منفصلان أعدتهما أخبار الخليج أنه رغم تأكيد الأغلبية الساحقة من المواطنين والمقيمين على أن كلفة العلاج في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة في المملكة عالية، بل ومبالغ فيها أحيانا، إلا ان ورغم ذلك، فإن غالبية هؤلاء المواطنين والمقيمين يفضلون تلقي الخدمات الطبية والعلاج في المستشفيات الخاصة رغم وجود المستشفيات والمراكز الحكومية المجانية.

وطرح الاستطلاع الأول استفهاما حول (هل تجد ان كلفة العلاج في المستشفيات الخاصة في البحرين مناسبة ام مبالغ فيها؟). شارك في الاستطلاع 1197 قارئا. أكد 91% منهم (1086 قارئا) أن التكلفة مبالغ فيها. ورأى 9% فقك (111 شخصا) ان أسعار الخدمات الصحية في المستشفيات الخاصة مناسبة. 

اما الاستطلاع الثاني فتناول السؤال (هل تفضل العلاج في المستشفيات الحكومية المجانية؟ أم في العيادات والمستشفيات الخاصة رغم التكلفة المالية؟).

وشارك في إجابة هذا السؤال 605 شخصا، قال 64% منهم (389 شخصا) أنهم يفضلون المستشفيات الخاصة عندما يحتاجون الرعاية الطبية رغم ارتفاع التكلفة. وقال 36% (2016 شخصا) أنهم يفضلون المستشفيات الحكومية ذات الخدمات الطبية المجانية.

وحرص بعض القراء على تدوين تعليقاتهم على هامش الاستطلاع والتي تفاوتت بين مؤيد وبين ناقد لكلا الطرفين. ففي حين قال قارئ ان “المستشفيات الخاصة تعتبر مؤسسات مالية وليست مراكز للرحمة والإنسانية”، اعتبر آخر ان ما يتم دفعه في المستشفيات الخاصة هو رسوم نشتري فيها الكرامة والاحترام والتعامل الحسن”!. وقال اخر أنه “في المستشفيات الحكومية يكون وقت الانتظار طويلا، وكثيرا ما يشعر المريض بالإهانة”. فيما لخص قارئ رأيه في كلمات معدودة: “البقاء لله في المستشفيات الحكومية”.

وعلّق بعض القراء بآراء لا تخلوا من الاتهام مفادها ان تخفيض مستوى الرعاية في الطب العام ربما هي سياسة مدروسة من اجل تحفيز الناس على اللجوء الى الخاص ومن ثم تخفيض المصاريف وتوفير الميزانية!!. 

مقارنة منصفة

هل من الطبيعي في بلد تتوفر فيه فرص العلاج العام والمجاني ان يفضل الأغلبية اللجوء على الطب الخاص؟. 

سؤال ربما يبدو محيرا بعض الشي. وهذا ما دفعنا الى مناقشته مع رئيس مجلس إدارة مستشفى ابن النفيس الدكتور علي جعفر العرادي، الذي يحمل خبرة طويلة وممتدة في العمل بالمستشفيات الحكومية والمستشفيات الخاصة.

يجيبنا العرادي: ليس من العدل ان نقارن بين الجانبين بهذا التعميم. فلكل منهما خصائصه. ففي حين تتميز المستشفيات الحكومية بتقديم كافة الخدمات والرعاية الصحية مجانا، نجد أنه من خصائص الطب الخاص بالنسبة للمريض هو سهولة الوصول الى الطبيب الذي يختاره هو وفي الوقت الذي يناسبه هو أيضا. فبعض المواعيد في المستشفيات العامة قد تصر الى 6 أشهر او حتى سنة أحيانا. وهنا يفضل المريض التوجه الى المستشفيات الخاصة رغم ما قد يمثله ذلك من تكلفة.  

والامر الثالث، هناك اعتقاد او شعور بأن الطب الخاص يقدم اهتماما ورعاية أكبر وأفضل من الطب العام. وربما في هذا نوع من الصحة ليس لقصور في الطب العام، وانما لطبيعة العمل في كل منهما. فمثلا في المستشفيات العامة، يضطر الطبيب الى رؤية 30-40 مريضا في اليوم، وكل زيادة تكون مدتها محدودة نظرا لارتفاع العدد. في حين ان نفس الطبيب لا يرى أكثر من 15-20 مريضا في العيادة الخاصة، وتكون مدة الزيادة طويلة وكافية. الى جانب ما ذكرته من ان المريض يختار الوقت الذي يناسبه وحتى الطبيب الذي يريده.

فجوة ونقص ثقة

يمكن القول انها مقارنة منصفة قدمها الدكتور جعفر العرادي. ولكن يبدو انها لا تقتصر على ما سبق من نقاط. حيث يضيف العرادي: 

خلال الفترات الماضية كان هناك تشجيع من قبل الحكومة على التقاعد المبكر في مختلف القطاعات الحكومية بما فيها الصحية. وهذا ما حفز الكثير من الأطباء على التقاعد المبكر. ولأن الطبيب نادرا ما يتقاعد، عمد اغلبهم الى فتح عياداتهم الخاصة او العمل في مستشفيات خاصة، وهذا ما ولّد نوعا من الفراغ في الخدمات الصحية العامة. صحيح ان هناك أطباء جدد ولكن مازالوا غير معروفين لدى الناس، والكثير من المرضى لا يريدون تسليم أنفسهم الى هذا الجيل الجديد. وكل ما سبق قد تمثل عوامل أدت الى الوصول الى النتائج التي يشير اليها استطلاع اخبار الخليج. 

‭}‬ ولكن النظرة الغالبة لدى المواطنين والمقيمين أن طبيعة الرعاية الطبية ومستوى الأطباء الخدمات ذاتها هي معيار رئيسي في تفضيل الطب الخاص على العام؟ وبالتالي قد ترهق ميزانية المواطن مثلا ولكنه يجد مقابلا لذلك.

‭{{‬ هنا لابد ان نفرق بين امرين. فعندما نتحدث عن الطب العام كتجهيزات، يمكنني التأكيد ان ما يتم توفيره من أجهزة وتجهيزات في المستشفيات الحكومية هو راق ومتطور جدا. ولكن عندما نتحدث عن العناية والرعاية الطبية، هنا نعود الى ما بدانا به حديثنا. فالكم الهائل من المرضى في الطب العام مقابل محدودية المستشفيات واعداد الكوادر الطبية، من الطبيعي ان يخلق نوعا من الخلل. مع التأكيد على ان هذا لا ينفي صدق وإخلاص الطاقم الطبي في تقديم الخدمات المنصفة. إلا ان ذلك الضغط الكبيرة من الطبيعي ان يولد نوعا من القصور في الرعاية والاهتمام. في حين ان العكس صحيح بالنسبة للطب الخاص. حيث ان الاهتمام بالمريض يكون بشكل شخصي، ليس فقط لأنه يدفع مقابل ذلك كما يعتقد البعض، وانما لطبيعة العمل والظروف المختلفة في هذه المستشفيات، حيث قد يستغرق المريض ساعة كاملة في العلاج الطبيعية مثلا لأن العدد اقل بكثير مقارنة في الطب العام الذي لا يستطيع ان يحصل على الفرصة والوقت الكافي فيه. هذا فضلا عن اختلاف البيئة نفسها في المستشفيات العامة ووجود نوع من الفوضى في المواعيد والضغط الكبير والانتظار الطويل، كل ذلك يولد نوعا من الضغط النفسي على الطبيب نفسه وقد يعيقه عن تأذية دوره بالشكل المطلوب. 

اذن المسألة ليس مادية فقط او تتعلق بالميزانيات وبقدرة المريض على الدفع، وانما هي ظروف وعوامل متعددة تخلق هذا الفارق وتجعل المريض يفضل هذا الاتجاه او ذاك وفقا لإمكانياته المادية واولوياته.

ليست دكاكين!

‭}‬ قد لا يختلف اثنان على ذلك، ولكن ألا تعتقد ان كلف العلاج في الطب الخاص مبالغ فيها، الامر الذي أكده 91% من المشاركين في استطلاع اخبار الخليج؟

‭{{‬ من اجل ان نعرف صحة هذا الامر، علينا ان نقارن الأسعار مع الدول القريبة والمجاورة، إذا ما أجريت مقارنة سريعة ستجد انه لا مجال للمقارنة في أسعار ورسوم العلاج في الطب الخاص. فمثلا، تكلف عملية تبديل المفصل في بعض الدول الخليجية أكثر من 14 ألف دينار، عدا تكلفة السكن والإقامة والمعيشة. في حين انها لا تتجاوز في البحرين الثلاثة الالف دينار شاملة الإقامة والجراحة. وبنفس الامر ينسحب على عمليات العمود الفقري وغيرها. لذلك في رأيي انه ليس من العدل القول بأن تكلفة العلاج في الطب الخاص مبالغ فيها. ثم ان استشارة الطبيب في الكثير من الدول المجاورة تتراوح بين 40-50 دينارا في حين لا تتجاوز في البحرين 15-20 دينارا. ثم اننا عندما نتحدث عن جودة الخدمات ونوعيتها، لابد ان يكون لذلك مقابل، لأننا لا نتحدث عن دكاكين تفتح باسم عيادات، وانما عن أطباء مخضرمين ذوو خبرة كبيرة. 

‭}‬ مع التسليم بذلك، ماذا يفعل الفقير وذوو الدخل المحدود اذن؟ هل هو مضطر ان يقبل بالواقع وينتظر مواعيد قد تصل الى سنة فقط لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف العلاج الخاص؟

‭{{‬ في نظري، مشروع التأمين الصحي واستخدامه للمواطن يعطي الفرصة حتى لذويي الدخل المحدود للاستفادة من خدمات الطب الخاص. ولكن الى ان يتم تعميم المشروع، ما أؤمن به هو ان الكثير من المستشفيات الخاصة لا ترد غير المقتدرين، فهناك الكثير من المساعدات التي تقدم لهم. فمثلا لدينا توجه لإنشاء صندوق صحي خيري لمرضى مستشفى ابن النفيس، وجزء من تمويل هذا الصندوق يكون من أرباح ميزانية المستشفى، وتكون ادارته مستقبل. وكل حالة غير مقتدرة يتم تقييمها من قبل مجلس الإدارة وتقدم لها المساعدة. وهذا المشروع هو الأول من نوعه في البحرين، وإذا ما تمت الموافقة عليها نتمنى ان تعمم التجربة. من هنا فإن الرسالة التي نريد ايصالها هي انه لا يجب التعميم، فوجود اشخاص يسيئون الى قطاع ما لا يعني ان جميع العاملين في هذا القطاع سيئون او استغلاليون. كل ما نطمح اليه هو ان يكون هناك تعاون مشترك بين وزارة الصحة والمجلس الأعلى للصحة والمؤسسات الصحية الخاصة.

توفير التكاليف

‭}‬ لنكن أكثر صراحة، هناك من يرى ان وجود مثل هذه الظروف في المستشفيات العامة امر مقصود وله اهداف مادية بالمقام الأول، حيث تحفز مثل هذه الظروف المرضى على التوجه الى الطب الخاصة ومن ثم تخفيض المصاريف على وزارة الصحة!

‭{{‬ من الصعب جدا توجيه مثل هذا الاتهام. فالميزانية التي ترصد لوزارة الصحة ليست بالقليلة. والأجهزة والتكنولوجيا التي توفرها الوزارة هي الأخرى ليست بالقليلة. لذلك لا أتصور انه امر مقصود او متعمد، بل على العكس، اجن ان الطب الخاص وجد ليدعم ويرفد الطب العام. وهذه هي سياسة الدولة وهي فتح المجال للطب الخاص لتخفيف الضغوط على العام وفتح المجال للمقتدرين م ن اجل التوجه للمستشفيات الخاصة، وبالتالي توفير فرص لغير المقتدرين في الطب العام. فالهدف اذن هو ان يدعم الطب الخاص الطب العام ويتعاون معه. وإن كنا نواجه أحيانا حالات قد لا يتحقق فيها هذا التعاون الكامل، كان نحتاج في الطب الخاص أدوات معينة نطلبها من وزارة الصحة ولكن لا نحصل عليها، وبالتالي يضطر المريض الى الرجوع الى المستشفيات العامة. وهذا يتعارض والأهداف من وجد الطب الخاص من اجلها ومنها تخفيف الضغط على الطب العام وإعطاء المجال للمؤمن عليهم والمقتدرين للتوجه للخاص.

وبالتالي ما نحتاجه هو ثقافة الا يكون الطب الخاص بديلا او منافسا للعام، ولا العكس، فلا يمكن للطب الخاص ان ينافس العام المدعوم والمجاني. وبالمقابل، كلما كان هناك تعاونا وكلما دعمنا الطب الخاص كلما امكنه ان يلعب دورا بارزا في تنشيط السياحة العلاجية على سبيل المثال وبالتالي دعم الدخل القومي. هل تعلم ان السياحة العلاجية ترفد الدخل القومي في الأردن بما يصل الى ملياري دولار سنويا؟ ونحن في البحرين لا تنقصنا الفرص بدليل ان لدينا الكثير من المرضى من الدول المجاورة الامر الذي يؤكد ما يحظى به القطاع الطبي في البحرين من ثقة ممتازة.  وهنا تجدر الإشارة الى ما وجه اليه سمو رئيس الوزراء مؤخرا بالاستعانة من خبرات القطاع الخاص في العام. فمثلا بدل احضار طبيب زائر من دولة أخرى يمكن الاستعانة بطبيب من الطب الخاص لإجراء عمليات في السلمانية مثلن وهذا ما يوفر الكثير من التكاليف ويدعم الاقتصاد؟

الطب الخاص ودعم الاقتصاد

‭}‬ ختاما.. ماذا يمثل انتشار المؤسسات الصحية الخاصة في أي بلد؟ وما انعكاسات ذلك على الاقتصاد الوطني سواء بشكل مباشر او غير مباشر؟

‭{{‬ هذا سلاح ذو حدين. فوجود بنية تحتية قوية للعلاج الخاص له مردود إيجابي كبير على اقتصاد البلد. والكثير من الدول تعتمد على السياحة العلاجية بشكل كبير في ميزانياتها. ولكن لكي ينتعش هذا القطاع، يتطلب الامر تطوير ودعم البنى التحتية للكثير من القطاعات الأخرى الداعمة. فمثلا استقطاب مرضى للبلد يتطلب تنشيط مرافق سياحية أخرى، ووجود تشريعات داعمة خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في المجال الصحي بما يكفل حق المستثمر وحق المريض بنفس الوقت. ويتطلب الامر أيضا ضمانات وتعاون من قبل المؤسسات الحكومية لدعم الصروح الطبية الخاصة. ومن الخطأ والخطر ان نجد قرارات فردية او تضارب في القرارات بما يؤثر على دور هذا القطاع ومساهمته في الاستثمارات والسياحة والاقتصاد. والخلاصة، لو توفرت البنية التحتية للطب الخاص في أي بلد لأمكنه ان يساهم بشكل كبير وفعلا في الاقتصاد الوطني. ونحن في البحرين مؤهلون لان نلعب هذا الدور خاصة وان الخدمات الطبية والطب الخاص في المملكة يحظى باحترام دول المنطقة، هل علم مثلا ان العديد من المرضى الذي يزورونا يأتون من دول أخرى بما فيها دول الجوار والعراق؟ لذلك كلما وفرنا بنية تحتية أفضل كلما أمكن لهذا القطاع ان يساهم بشكل كبير في الدخل القومي. 

 

 

  

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news