العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تحديات الحكم الفردي في العالم الثالث

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الأربعاء ٠٤ ٢٠١٩ - 01:00

أكد باحثون وسياسيون غربيون، على مدى عقود، أن الانتشار العالمي للديمقراطية الليبرالية كنظام للحكم أمر حتمي، وكان من بينهم فرانسيس فوكوياما، عالِم السياسة الأمريكي، الذي أعلن أن سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991 يُبشر بانتصار النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، والقبول بالديمقراطية على النمط الغربي باعتباره الشكل الأمثل للحكم.

لكن فوكوياما وآخرون، ممن كانوا على يقين من حتمية انتشار الديمقراطية، منذ ما يقرب من 28 عامًا، رأوا أن ادعاءاتهم تقوّضت؛ بسبب الاتجاه العالمي المتزايد نحو الحكم الاستبدادي المتنامي. وأصبحت الديمقراطية، على نقيض القرن الماضي، في انحسار ملحوظ مع ظهور نُظم بديلة للحكم، من حكومات عسكرية، ودول الحزب الواحد إلى نظام حكم الفرد المطلق، وظهرت تحديات جديدة، مع ظهور نُظم الحكم هذه، للاستقرار والأمن العالميين. وعلى الرغم من ذلك، يأتي نظام حكم الفرد المطلق، والذي يُعرف بأنه يسيطر فرد أو مجموعة سيطرة أحادية على الدولة وآلياتها، ليكون الأكثر خطورة في هذا الصدد، فضلا عن كونه نظام الحكم الأسرع نموا وانتشارا عن جميع الأنظمة.

ونظرًا للأهمية العالمية لهذه الظاهرة المتنامية، استضاف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي يتخذ من لندن مقرًّا له، ندوة، مؤخرًا، بعنوان: «الحُكم الفردي وارتباطه بحالة عدم الاستقرار والصراع وفشل الدول»، حضرها جمع غفير من الطلاب والأكاديميين وواضعي السياسات ورجال الأعمال، وأدارها أندرو تشي، زميل باحث في مجال الصراعات والأمن والتنمية في المعهد، وكانت الدكتورة ناتاشا ليندشتيدت، أستاذة مادة الحكم ونائبة عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة إسكس البريطانية، المتحدثة الرئيسية.

بدأت ليندشتيدت حديثها بعرض الخصائص السائدة لنظام حكم الفرد المطلق، والتي يُمكن ربطها معًا لتُشكل تعريفًا موجزًا لهذا النمط من الحكم، ومن أهمها: انعدام الحريات المدنية؛ مثل حرية التعبير والرأي- غياب الشفافية في مؤسسات الدولة؛ مثل القضاء والبرلمان، وفي العمليات السياسية؛ مثل الانتخابات- الميل العام نحو الفساد- تشكيل قوات عسكرية وأمنية قوية موالية للنخب الحاكمة وليس للأمة نفسها والإبقاء عليها، لافتة إلى أن هناك دولا أخرى تتمتع بهذه الخصائص، كالدول ذات الحزب الواحد؛ مثل كوبا أو المجالس العسكرية في جنوب شرق آسيا.

وأوضحت أن هذا النمط من الحكم من شأنه أن ينتج عددا من الخصائص التي عادة ما تؤدي إلى زعزعة الاستقرار داخل الدول ذات الحكم المطلق، ويتمثل أهمها في:

حالة عدم الاستقرار:

وهي حالة تنشأ حين تكون تصرفات الحاكم نابعة من جشعه وخوفه، ويتبلور الجشع من خلال مستويات الفساد المنهجي؛ إذ يسعى الحاكم إلى إثراء نفسه باستهلاك موارد الدولة، حتى يتسنى له جمع ثروات طائلة تُمكّنه من شراء ولاء ودعم مجموعة معينة من النُخب، وهذا الأمر سائد في الدول الغنية بالموارد، وخير مثال على ذلك الرئيس السوري «بشار الأسد» كما تقول المتحدثة، الذي يمتلك ما يقرب من 60 إلى 70% من أصول البلاد من أراضٍ ومصانع إلى محطات للطاقة وتراخيص لبيع السلع الأجنبية، إضافة إلى ثروته الشخصية في فترة ما قبل الحرب الأهلية التي قُدرت بنحو 1.5 مليار دولار.

الخوف:

وهو العامل الأساسي في زعزعة الاستقرار، والذي يسيطر على مخيلة الحُكام المستبدين الذين يعانون من جنون العظمة، حتى لا يفقدوا مناصبهم أو يتعرضوا لانقلابات، وعليه يقوم هؤلاء بتشكيل القوى السياسية والأمنية القومية لتكون بمنزلة الحاجز، الذي يُقلل من تعرضهم لمثل هذه التحديات، ويشمل ذلك عدة تدابير لمنع وقوع أي انقلابات من الجيش، من خلال الإضعاف المتعمد للأجهزة العسكرية والأمنية، مثل الجيش والشرطة، من خلال عدة آليات مختلفة؛ مثل: بناء قوات موالية للحاكم، أو إخلاء الأجهزة الأمنية من الكفاءات التي يمكنها القيام بانقلاب، وغيرها من الأساليب المختلفة.

انعدام الأمن:

ويتمثل في تفشي الفساد داخل الدول ذات الحكم الفردي أو الأوتوقراطي، مما يؤدي إلى تهاوي قدرة النظام على مواجهة التحديات؛ لافتقاره إلى الموارد اللازمة للاستثمار في التنمية والدفاع، وقد يرجع ذلك إلى الطبيعة الفوضوية لهذا الحكم، كونه يسمح لرأس النظام بانتهاج سياسة خارجية عدوانية تفتقر إلى الضوابط والتوازنات بشأن ما يتخذه من قرارات.

إن هذه الخصائص رُبما تعتبر كافية لمنع حدوث الانقلابات داخليا، وفي الوقت نفسه تُقلل من قدرة الجيش على محاربة الأعداء الخارجيين؛ إذ تعتبر كفيلة بوقوع النظام فريسة لأي اعتداء خارجي، كما حدث في حالة الحرب العراقية الأمريكية؛ حيث إن الولايات المتحدة لم تكن تجرؤ على التدخل في العراق، لولا تيقنها من حالة الضعف التي تعاني منها أجهزة الأمن العراقية، وقد تجلى ذلك خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط، مع انهيار أجهزة أمن كل من معمر القذافي في ليبيا، وبن علي في تونس، وعدم قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية الكبرى.

وعلى الرغم من العيوب الواضحة، التي تجعل من الحكم الفردي غير مستدام، إلا أن المُلاحظ أنه ظاهرة آخذة في الانتشار بجميع أنحاء العالم؛ حيث جاء في التقرير السنوي لعام 2019 لمؤسسة فريدوم هاوس، أن 55% من الدول يمكن اعتبارها «حرة جزئيا» أو «غير حرة»، مقارنة بـ45% يمكن اعتبارها «حرة»، من هنا وبحسب الأرقام يتضح تزايد عدد الأنظمة ذات الحكم الفردي، وهنا تشير ليندشتيدت إلى أنه منذ عام 1988 وحتى اليوم، نمت الأنظمة ذات الحكم الفردي كنسبة من بين الحكومات غير الديمقراطية من 23% إلى 40%؛ وهو ما يُمثل تهديدا للأمن العالمي، من خلال  إمكانية نشرها عدم الاستقرار.

وعلى الرغم من خطورة هذا التزايد في أنظمة الحكم الفردية، إلا أنه لم يكن لدى ليندشتيدت الكثير لتقوله عن سبب ظهور هذا النمط في السنوات الأخيرة، لكنها رأت أن هذا يرجع جزئيًّا إلى تآكل الديمقراطية في جميع أنحاء العالم من قِبَل القوى الشعبوية، كما هو الحال مع فيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، ورجب طيب أردوجان الرئيس التركي، ورودريغو دوتيرتي رئيس الفلبين؛ إذ يستخدم الجميع تكتيكات مماثلة في الحكومة لإضعاف المؤسسات والمبادئ الديمقراطية؛ لتركيز السلطة في أيديهم وأيدي مؤيديهم، بهدف إنشاء نظام شبه فردي، ومع ذلك فإنه لا يمكن الجزم بأن هذا هو السبب الرئيسي في انتشار الديكتاتوريات الفردية.

وتكمن النقطة الأكثر أهمية في فشل ليندشتيدت في مناقشة الأسباب الأكثر وضوحًا لنمو نظام حكم الفرد المطلق، لكن تم تدارك ذلك عندما طرح أندرو تشي، مدير الندوة، سؤالاً لـ «ليندشتيدت» عما إذا كانت تعتقد أن روسيا والصين، المعروفتين بتشجيعهما لانتشار الأفكار والقوى السياسية المناهضة للديمقراطية، كان لهما تأثير كبير في تنامي شوكة الأنظمة ذات حكم الفرد المطلق. وعلى عكس الرؤى، التي تبناها معظم الأكاديميين الغربيين، أجابت ليندشتيدت بأنها تعتقد أن تأثير هاتين الدولتين ضئيل للغاية، موضحة أنه على الرغم من تدخل روسيا في الشؤون السياسية لعدد من الدول، إلا أنها تفتقر إلى الآليات اللازمة لأداء مثل هذا التأثير، أما الصين فتفضل التركيز على تطوير العلاقات الاقتصادية على الصعيد الدولي بدلا من أداء أدوار أخرى للتأثير على النتائج السياسية. 

وعلى صعيد آخر أشارت إلى أن الغرب ذاته يتحمل الكثير من المسؤولية في الحفاظ والإبقاء على الأنظمة ذات حكم الفرد المطلق التي خدمت مصالحه، وخير مثال على ذلك ما قدمته الجمهورية الفرنسية من تقديم الدعم للحكام الديكتاتوريين، الذين يديرون مستعمراتها السابقة في وسط القارة الإفريقية، متحججة في ذلك بأن نظام الحكم الفردي لديه القدرة على منع تدفق الإرهاب لأوروبا، والمحافظة على الاستقرار، بدلا من العمل على تحولها ديمقراطيا.

وفي النهاية خلصت ليندشتيدت إلى أن أفضل الطرق التي يمكن بها للمجتمع الدولي أن يواجه هذه النظم هو توقيع العقوبات، ومع ذلك لم تقدم أي حلول أو آليات تطبيقها؛ حيث تستطيع العقوبات بأشكالها المختلفة أن تقلل من قدرة النظام الديكتاتوري على التمتع برعاية أطراف خارجية والدعم السياسي الداخلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى انشقاقات بين النخبة والشعب، وقد يشجّع جماعات المعارضة على الاحتجاج، كما أن فقدان الدعم من المجتمع الدولي يؤثر بشكل حاد على الأنظمة الاستبدادية، خاصة أن لديها قدرة محدودة على تعويض خسارة هذا الدعم الخارجي عن طريق زيادة إيراداتها من التدفقات البديلة أو تقديم تنازلات ذات مصداقية؛ لتقاسم السلطة، وهذا فى النهاية يؤكد أهمية العقوبات كأدوات لمقاومة تنامي شوكة الأنظمة ذات حكم الفرد المطلق (إيران نموذجًا).

وختاما، لقد خلصت الندوة إلى أن حكم الفرد المطلق هو بلا شك أسوأ أنماط الحكم المتاحة؛ بسبب عدم قدرة هذا النظام على توفير الاستقرار والأمن، ومع ذلك، كان شيئًا مخيبًا للآمال أن تظل بعض الأسئلة الرئيسية من دون إجابة، مثل: ما الذي يسبب تزايد الميل نحو هذا الاتجاه وخاصة في العالم الثالث؟ وكيف يمكن السير عكسه؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news