العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

مقالات

التقاعد المبكر.. متى وكيف؟

بقلم:د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ٠٣ ٢٠١٩ - 01:00

التقاعد مرحلة حتمية يمر بها كل العمال والموظفين، تتحدد طبيعتها وتقبلها بمقدار استعداد الفرد لها وكيف يراها ويتعامل معها. هناك من يرى أنها مرحلة صعبة جدا وشخصيته لا تتقبلها فيحاول تمديد سنوات العمل وتأجيل مرحلة التقاعد إلى حين، وذلك إما بسبب ارتباطه بالعمل وإما بالمزايا التي يحصل عليها. وهناك من ينتظر هذه المرحلة على أحر من الجمر وبفارغ الصبر، مهيئين أنفسهم لمرحلة ما بعد التقاعد فهم يرون أن لديهم النشاط الجسدي والعقلي الضروري للاستمتاع بمتعة الحياة. حب التقاعد المفرط لدى البعض يؤدي بهم الى التقاعد المبكر وهم في العقد الرابع من عمرهم.

إن قرار التقاعد المبكر هو من أصعب وأخطر القرارات التي يمكن أن يقدم عليها الموظف. فقد يكون سببا لتدمير حياته المعيشية أو سببا لحياة أفضل يستمتع بها كمتقاعد وفرصة لتحقيق النجاح في مشروع تجاري. 

التقاعد المبكر كما هو مبكّر يحتاج أيضاً إلى تخطيط مبكّر واستعداد تام في الجوانب النفسية والمادية والاجتماعية من قبل الموظف. مثل هذا التقاعد سيكون مناسبا للمريض والمعاق والعاجز عن أداء مهام عمله ولمن هو ليس سعيدا في وظيفته، وفقد الأمل في تحسين وضعه الوظيفي وأصبح له رؤية وخيارات أفضل من الاستمرار في العمل. البعض يصيبهم شعور بالتعب والإرهاق المبكر والملل الشديد من بيئة العمل بسبب علاقته السيئة بمسؤوله المباشر فيقل إنتاجه ويكون التقاعد المبكر خياره الأفضل للتخلص من التوتر والمعاناة النفسية. 

جمعتني الصدفة قبل فترة زمنية بزميل تقاعد قبل سنتين، كان مسؤولا إداريا ناجحا في إحدى المؤسسات وبراتب شهري جيد، التجأ إلى التقاعد المبكر بعد أن أدرك أن هناك تجاهلا تاما في الترقيات وتعديل وضعه الوظيفي. تحدث إليّ بمرارة عن عمله ووظيفته السابقة، وكيف بدأها وهو في عنفوان شبابه بأحلامه الواسعة وشهاداته المتنوعة، وكيف تركها وهو متهالك الجسد والأمل.

يقول لقد تقاعدت مبكرا من عملي بقناعة تامة وبعد أن أيقنت أن بيئة العمل لم تعد صالحة للعمل، وأن كفاءتي وخبرتي وشهادتي لم تعد معيارا تشفع لي للحصول على الترقيات أو تحسين وضعي الوظيفي مهما أنجزت وأبدعت. يقول إن المسؤول المباشر هو من يقرر مستقبلك الوظيفي فهو يحدد من المنتج ومن المقصر بحسب معاييره الخاصة. فالأمر كله يتوقف على طبيعة وشخصية ذلك المسؤول. فإن كان (المسؤول المباشر) كفؤا، منتجا، يحب التطوير وعادلا ومتعاونا وراضيا عنك فستكون في أحسن حال، حيث ستعمل بكل إخلاص وسيكون لك داعما وحافزا على الإبداع والابتكار والاستمرار في عملك.

أما إذا كان المدير غير ذلك ضعيف ليس لديه الكفاءة والمؤهل العلمي ومن الذين تم تعيينهم بناء على عوامل غير مهنية، فإن أصحاب الكفاءة والمؤهلات سيكون الله في عونهم، فليس لديهم مكان في تلك المؤسسة غير الرحيل أو الانتظار إلى أن ينقل مديرهم إلى منصب آخر. والانتظار يعني مضيعة للوقت لأن الأمر قد يطول لسنين طويلة ستفقد خلالها قوتك العلمية والإدارية وسوف تجمد إلى أن ترفع الراية البيضاء وتقرر الهروب والتخلص من الوظيفة. وهذا ما حصل بالفعل، فبعد كل هذا التفاني والإخلاص في العمل، خرجت صفر اليدين مثقلا بهموم وأمراض الضغط والسكري وقد أقضي ما تبقى من عمري في المستشفيات للعلاج. كل ذلك كان بسبب اختلافي مع المدير في الرأي والرؤى، وحبي المفرط في العمل، ورغبتي في العطاء بكل إخلاص وتفان، ومطالبتي الملحة بأن تكون بيئة العمل خالية من الكراهية والتمييز والعلاقات الاجتماعية، وأن يحكمها قانون ومصلحة المؤسسة فقط. الآن لا أشعر بالندم على ترك الوظيفة أبدا ولكنني نادم على العمل مع هكذا مدير ضعيف فنيا وعلميا لا مبالٍ متسلط يرفض أن يتحمل المسؤولية ويترك المهام والأعمال على مرؤوسيه فهم من يتحملون الأخطاء والمشكلات الوظيفية. الخطأ الأهم الذي ارتكبته في الحياة العملية هو جهلي لأهمية الادخار والاستثمار. فقد كنت متيقنًا أن الراتب التقاعدي سوف يلبي التزاماتي واحتياجاتي المالية ما بعد التقاعد. لدينا طاقات متعددة مع الأسف لم نستغلها جيدا، اكتفينا بالوظيفة واستسلمنا لشهواتنا من الراحة والأكل واستنزاف الوقت والعمر والمال في أمور دنيوية تافهة فلم نثمن الوقت ولم نستغل الفرص.

واحدة من أهم الأمور التي يهملها الكثير من الموظفين لترتيب اجراءات التقاعد المبكر هو ضرورة تنويع مصادر الدخل. فتنويع مصادر الدخل سيعزز من إمكانية النجاح في تحقيق معادلة التقاعد في سن مبكرة جدا. فقرار التقاعد المبكر يجب أن يكون مبنيا على مبدأ توفير أكبر قدر ممكن من المدخرات خلال الحياة العملية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news