العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التكنولوجيا المالية.. تأملات في الحاضر وتوقعات المستقبل (3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ٠٢ ٢٠١٩ - 01:00

على الرغم من أن تبني المنتجات التكنولوجية للثورة الصناعية الرابعة يعد متأخرا في المجال المالي مقارنة بمجالات الإعلام أو التجارة أو الاتصالات، فإن التكنولوجيا المالية بعد أن تعافى العالم إلى حد ما من أسوأ تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008م أصبحت إحدى أهم القضايا التي تشغل المجتمع المالي والمصرفي العالمي سواء من حيث المنافع التي توفّرها، أو بالنسبة إلى المخاطر التي تنتج عنها، فلم تعد التكنولوجيا المالية مجرد أساليب تقنية لتطوير الأداء المالي والمصرفي، كخيار تقني بين خيارات أخرى تملك الدول والقطاع المالي والمصرفي الحرية في اعتمادها من عدمه، بل أصبحت ضرورة لا مناص منها لاستمرار وجود ونمو القطاع المالي والمصرفي، وعنصرا مهمًّا من عناصر البيئة التنافسية التي تواجهها، وهي تحول وجوبي لا بد منه، يستوجب إعادة شاملة للهندسة المالية والمصرفية في مختلف دول العالم، وتغييرا جوهريا في وسائلها وآلياتها عبر التحول إلى الأنظمة والمنصات الرقمية التكنولوجية، والروبوتات، لتطوير أعمالها لمواكبة المعطيات التقنية المتسارعة للثورة الصناعية الرابعة، فضلا عن إيجاد البيئة التشريعية والرقابية المناسبة لها؛ أي أنها منعطف جديد للنظم المالية والمصرفية في العالم، يمتد بآثاره وعلاقاته الخلفية والأمامية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية واللوجستية والتعليمية والاجتماعية. فقد انطلقت شركات التكنولوجيا المالية الناشئة لتنتشر في اغلب دول العالم، ويتوقع أنها خلال الفترة القادمة حتى عام2030م ستهيمن على المشهد المالي والمصرفي العالمي، وستقدم نمطا جديدا ومختلفا للخدمات المالية، وأسلوبا جديدا في التعامل مع العملاء والمستثمرين، حتى أمكن القول إنها وضعت الاقتصاد والبنوك على مختلف أنواعها أمام عصر جديد هو عصر التكنولوجيا المالية، عصر حافل بالتحديات والفرص على حد سواء. أبرز مظاهره شركات مالية خاصة ناشئة تعتمد أحدث البرمجيات والمبتكرات التكنولوجية، وتحركه قوى الرقمنة العالمية والتقدم التكنولوجي التي تعيد صياغة العديد من جوانب اقتصادات العالم ومجتمعاته.

في سلسلة من المقالات نحاول أن نعرف القارئ بتفاصيل ومتضمنات التكنولوجيا المالية وتأثيرها على التنمية المستدامة والمجتمع والقطاع المالي والمصرفي، وموقف الدول والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية منها، وسنركز في تحليلنا على تأثيراتها القائمة والمحتملة على دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها مراكز مالية واقتصادية ناهضة.

نوضح في هذا المقال العوامل التي دفعت بالأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر في مختلف دول العالم إلى الاهتمام بالتكنولوجيا المالية وتفضيلها على البنوك والشركات المالية التقليدية، إذ إن الجيل الحالي (جيل شباب الألفية الثالثة) الذي يشكل نسبة كبيرة من سكان العالم وهو الجيل الذي أصبح الهاتف المحمول واللاب توب يشغلان حيزا واسعا من حياته اليومية، والتجارة الإلكترونية وسيلته المفضلة للحصول على احتياجاته المختلفة، وهو في الوقت نفسه دائم التطلع إلى التغيير ورافض لأغلب الأساليب والأنماط التقليدية في مختلف مجالات الحياة، ويسعى إلى الدخول القوي لسوق الاستثمار بمشروعات مبتكرة، وبأقل رأسمال ممكن، فإن منبع اهتمامه بالتكنولوجيا المالية هو أنها توفر له الوقت والمجهود، وتخفض عليه التكاليف، عبر طرق الدفع والمعاملات من خلالها، كما توفر له الراحة والأمان؛ فعلى الرغم من أن الغرض الأساسي من الخدمة المصرفية التقليدية للأفراد تيسير وتسريع إدارة الأمور المالية للعملاء، فإن الواقع العملي يشير إلى أن قسما كبيرا من البنوك وخاصة في الدول النامية يدير عملياته في مكاتب مغلقة وبطريقة معقدة ومترهلة، ما عاد جيل الشباب قادرا على هضمها وقبولها. لذا فإن التكنولوجيا المالية صممت بذكاء لتكون أكثر اتساقا وانسجاما مع ميول ومتطلبات جيل شباب الألفية الثالثة؛ فوفرت عبر أدواتها الرقمية رغبات العملاء بآلية متناسقة وسلسة عبر جميع نقاط التواصل، ما جعل منها عاملاً محفزا لتغييرات مالية وتقنية وتجارية غير مسبوقة في العالم، ومن ثمّ فإنها ستؤدي إلى تحول نوعي في سلوك عملاء القطاع المالي والمصرفي، وهذا ما سيخلق تحديات كبيرة وجديدة للبنوك في مجال استقطاب عملاء جدد ما لم يتم استيعاب متطلبات التقنيات الرقمية الجديدة، بدءًا من الذكاء الاصطناعي «الذي يعرف بأنه: قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف والاستفادة من التجارب السابقة»، وتقنيات البلوك تشين لتطوير وتنمية حلول الدفع بواسطة الهاتف المحمول ومنصات الإقراض من الند للند (Peer-to-peer). ومما عزز تلكم التحديات دخول مؤسسات مالية غير مصرفية أخرى إلى السوق، بحيث أصبحت الصلة بين المؤسسات والعملاء تمر بمسارات غير مباشرة. لذا فقد أدركت الكثير من البنوك أهمية القوة التي تحصل عليها بتحسين نماذج أعمالها لتستجيب لطموحات وحركية الشباب واعتمادها أساليب أكثر مرونة في مجال الخدمات المصرفية الرقمية، وتقديم المنتجات والخدمات المتقدمة التي تبهر العملاء وتزيد تفاعلهم وتؤدي إلى زيادة الكفاءة والربحية، مع دعم نمو أعمالهم التجارية، ولا سيما في مجال المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، على أن يكون ذلك في نسق اقتصاد يدعم الابتكار ويحفز النمو. ففي المستقبل قد يحتفظ الأفراد بأرصدة ضئيلة لخدمات الدفع في محافظهم الإلكترونية، والاحتفاظ ببقية الأرصدة في صناديق مشتركة، أو استثمارها في منصات للإقراض المباشر بين الأطراف تتميز بتفوقها من حيث البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي من أجل احتساب الجدارة الائتمانية تلقائيا. وعموما يؤمل أن تلعب التكنولوجيا المالية دورا مهما في تشجيع الابتكار في المنتجات الاستثمارية وخدمة العملاء وغيرها من المجالات، بما يسهم في تعزيز بيئة شاملة للتطور التكنولوجي والاستثماري بين الشركات ورواد الأعمال الشباب على وجه الخصوص، اعتمادا على تسهيلات التكنولوجيا المالية بما يمكنهم من الوصول إلى تمويل آمن وسريع لعديد من الفرص الاستثمارية الذكية. وبما أن العالم اجمع سيكون بفعل التطورات التكنولوجية أمام وضع يتميز بدورات تطوير المنتجات وعمليات التحديث التي لا تتوقف، ولا سيما برمجيات الكمبيوتر، إذ تولَى قيمة كبيرة لبساطة واجهات المستخدم والأمن الموثوق، في ظل عالم يضم أطرافا فاعلة جديدة من دون الحاجة إلى مقار للفروع البنكية والمؤسسات المالية، إنما تتم جميع المعاملات من خلال الهاتف النقال وشبكات الإنترنت، ما قد يقود إلى تقليص نموذج البنوك التجارية التقليدية في المستقبل، حيث يتقلص الطلب على الودائع المصرفية بشكلها التقليدي، وتتدفق الأموال إلى الاقتصاد من خلال قنوات جديدة. وعموما فإن الفرص التي تولدها التكنولوجيا المالية وتجاوب جيل شباب الألفية الثالثة معها سوف تسهم في إعادة تشكيل المشهد المصرفي والمالي بصورة جذرية خلال الأعوام المقبلة.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news