العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

آيات.. في أحوال النفس

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠١ ٢٠١٩ - 01:00

يقول تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا» (الإسراء/9).

هذه الآية الجليلة من سورة الإسراء هي المقدمة العظيمة لكل حديث عن عطاء القرآن وشمولية الشريعة الإسلامية، واستيعابها كل شأن من شؤون الإنسان في الدنيا والآخرة. والآية العظيمة على جلال قدرها وعلو منزلتها لا تحتكر الهداية، بل هي تعترف بأن للبشر الموفقين هدايات فيما يواجهونه من مشاكل وقضايا في حياتهم تحتاج إلى حلول، ولقد فوضهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك حين قال: (أنتم أعلم بشؤن دنياكم)، ولكن الأقوم من هذه الحلول والأوفق هي الحلول التي جاء بها الإسلام؛ لأنها حلول ربانية من الخالق الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، وامتلاك الإسلام للحلول الأنجع والأوفق بسبب أن هذا الدين -أي الإسلام- هو الدين الوحيد الذي وصف بالكمال، قال سبحانه وتعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة/3).

وحديثنا اليوم عن النفس وما جاء عنها من آيات جليلات، وبداية نقول: إن النفس واحدة، وأما أحوالها فمتعددة، فهناك النفس الأمارة بالسوء، وهناك النفس الفاجرة، كما أن هناك النفس اللوَّامة، والنفس التقية، والنفس الزكية، والنفس الراضية، والنفس المرضية، وهناك الثمرة اليانعة لكل هذه الأحوال وهي النفس المطمئنة التي ليس لها عند الله تعالى من جزاء إلا الجنة، وما فيها من نعيم خالد حيث يتحقق فيها خلود للنعيم فلا يزول، وخلود للمنعم عليه فلا يموت.

لقد خلق الله تعالى الإنسان، وأودع فيه نفسا مختارة، ولها أن تفعل، ولها ألا تفعل، وبموجب هذا الاختيار الحر سوف يحاسب الإنسان في الآخرة على الخير والشر، يقول تعالى: «ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10)» (الشمس).

هذه هي حقيقة النفس البشرية في كتاب الله تعالى، وفي آياته الجليلات، نفس منحها الله تعالى حرية الاختيار، فهي عندها الاستعداد لأن تطيع وأن تعصي، وتعرض عليها الهداية الأولى، هداية الدلالة، فإن قبلتها أعانها الله تعالى بهداية المعونة والتمكين، وعظمة هذه الآيات من سورة الشمس أنها تؤصل للحرية الشخصية في الفعل وعدم الفعل، وأن الله تعالى لن يحاسب الإنسان إلا على فعل هو قادر على فعله فأعرض عنه، أو على فعل قد نهاه عنه وهو قادر على ألا يفعل فعصى ربه وفعله، لأنه سبحانه يحاسب عباده على فعل الخير والشر وفق ما يملكون من حرية الاختيار؛ بدليل أن الإنسان حين يجبر على معصية يرفع الله تعالى عنه الحرج، ويغفر له ما ارتكبه من ذنب، يقول تعالى: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» (النحل/106)، ومعنى: (ولكن من شرح بالكفر صدرا) أي: كفر عن طواعية واختيار حر من دون إكراه، وهذه الآية الجليلة نزلت في سيدنا عمَّار بن ياسر لما اشتد عليه عذاب الكفار نطق بكلمة الكفر فرفع عنه العذاب، لكنه ظل يبكي ندما على ما فرط في جنب الله تعالى، فلما أخبروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحاله قال: وماذا عن قلبه؟ قالوا: قلبه مطمئن بالإيمان، قال له: إن عادوا فعد!! أي: إن عادوا إلى تعذيبك إلى درجة أنك لا تحتمل العذاب فأظهر لهم الكفر حتى يرفعوا عنك العذاب.

هذه هي حال العبد مع نفسه الأمَّارة بالسوء، فإن تهاون معها واستمع إلى وسوستها قادته إلى المهالك، وإن أعرض عنها ونأى بجانبه عن إغراءاتها نجا من سطوتها واختار التقوى، وكان النجاح والفلاح من نصيب نفسه الزكية، والخيبة والفشل من نصيب النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة التي لم تهنأ بلحيظات المعصية، ولم تفرح بإقبالها عليها.

والصراع الدائر بين النفس الفاجرة والنفس التقية والنفس الزكية تحاول أن تحسمه النفس اللوَّامة التي تلوم صاحبها على ارتكاب المعاصي، بل وتلومه حتى على التفكير في المعصية، وهذه النفس بمثابة الضمير الذي يؤنب صاحبه على التفكير في المعصية فضلاً عن الوقوع فيها، وعدم التهاون والتكاسل عن السعي إلى بلوغ الغايات الشريفة، ودعما لهذه الحالات الخيرة للنفس الإنسانية تأتي النفس اللوَّامة، وهي الهاجس الذي يتردد في صدر العبد من دون أن يهدأ، ولأن مقامها عظيم، وقدرها جليل، فإن الله تعالى قد أقسم بها كما أقسم بيوم القيامة، قال تعالى: «لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوَّامة (2) أيحسب الإنسان ألَّن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4)» (القيامة).

إذن فالنفس اللوَّامة هي التي لا تكل ولا تمل، وتذكر صاحبها بما ينبغي عليه من حقوق لله تعالى، وهي الحصن الذي يحتمي به العبد لينجو من وسوسة نفسه الأمَّارة بالسوء ونفسه الفاجرة، ثم تأتي النفس التقية التي تبذل جهدها، وغاية وسعها لتتجنب ما يسيء إلى علاقتها بمولاها سبحانه، وتتبعها النفس الزكية التي زكت حالها، وطهرته من شوائب المعاصي، بل حتى مجرد التفكير فيها، وما كان للنفس الزكية أن تنجح في مهمتها الصعبة لولا الصبر الجميل الذي يتسم بالصبر على البلاء، والشكر على الجزاء، ثم تتساند وتتعاون حالات النفس الخيِّرة جميعها كل في مجاله لتبلغ النفس حالتها العظمى وهي النفس المطمئنة التي ليس لها جزاء إلا الجنة، قال سبحانه وتعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30)» (الفجر).

هذه الآيات الجليلات حسمت الصراع الدائر بين أحوال النفس المتعددة، وانتصرت للأحوال الخيّرة على الأحوال الشريرة، ولم يفلح الشيطان رغم الدعم الذي جاءه من النفس الأمَّارة بالسوء والنفس الفاجرة في أن يصرف النفس الخيِّرة عن غايتها النبيلة، وهي مرضاة الله تعالى، ولقد اعترف الشيطان بذلك الفشل والخذلان في بيان صريح نتلوه في القرآن آناء الليل وأطراف النهار، قال تعالى: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» (إبراهيم/22).

هذا الاعتراف في حد ذاته يحسب لصالح النفس الخيِّرة، فالطريق إلى الطاعة أمامها سالك، وما يظن العبد أنه ضعف أمام وسوسة الشيطان غير صحيح، وها هو الشيطان يعترف بذلك، وأنه يبيع الوهم للإنسان، ويصور لهم الباطل حقا، والحق باطلاً، والواعي المدرك لألاعيبه عليه أن يتنبه إلى ذلك فينجو من خداعه ووسوسته.

تلك بعض آيات من القرآن الكريم تحدثت عن النفس في جميع أحوالها تثبت أن النفس واحدة ولكن لها أحوالا متعددة، وأن داعي الخير أقوى من داعي الشر، وأن الله تعالى قد يسر لها سبل الخير وأعانها عليه، فمن أقبل على الله تعالى بالطاعة أقبل الله تعالى عليه بالمعونة والتمكين، قال تعالى: «والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم» (محمد/17). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news