العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المستقبل الوظيفي بين حسن الاختيار واتخاذ القرار

بقلم: د. محمد العباسي

الأحد ٠١ ٢٠١٩ - 01:00

كطفل صغير يسأله مذيع تلفزيوني عن آماله المستقبلية.. فتحدق عينا الطفل في فضاء لا متناه باحثاً عن دليل به يستنير، ورجاء بأن يشرح له أحد عن ماهية هذا «المستقبل» الذي يتحدث عنه المذيع.. وما هي «آمال المستقبل» التي يقصدها صاحب السؤال.. في حين نعلم نحن الكبار المقصود من طرح هكذا سؤال.. فيضطر المذيع أمام هذا الوضع الى أن يعيد صيغة السؤال ليتلاءم مع ذهن الطفل، ويعيد السؤال بشكل مبسط عن نوع المهنة أو الوظيفة التي يرغب فيها الطفل عندما يكبر.. ماذا تحب أن تعمل عندما تكبر وتتخرج من المدرسة؟

غالباً، عند توجيه هذا السؤال الى الصغار تلمع عيونهم وتتسع حدقاتها لأنهم يظنون السؤال بسيطا وأن الجواب الطبيعي قد تم تلقينه لهم عن أنواع المهن والحِرف والوظائف الشريفة التي درسوها وشاهدوا لها صوراً ورسومات في كتبهم المدرسية.. فيرددون مسميات وظيفية قيل لهم أنها من أشرف المهن وأعظمها، فيرددون بدورهم: أريد أن أكون إطفائياً.. حارساً.. حداداً.. نجاراً.. مزارعاً.. وهكذا.. دونما تمييز وتقدير للعواقب المترتبة على حقيقة مشقة هذه الوظائف الكريمة من حيث المردود المادي أو النظرة الدونية لها من قِبل قطاع في المجتمع بشكل عام.

لكن هذا الطفل ذاته بعد عدة سنوات في المدرسة وحين يقترب من الاختيار المحتوم لتوجهه وتخصصه الدراسي أو الوظيفي ينسى تلك المهن والوظائف الشريفة ليذكر مهناً في مجالات براقة كالطب والهندسة والطيران والحقوق.. واضعاً نصب عينيه ما يعطيه المجتمع من هالة «بريستيجية» ونظرة مادية و مكانة عالية المستوى لحملة الشهادات في مثل هذه التخصصات دون سواها.. فينصب جل جهد وعناء الشاب أو تلك الشابة في فرض الأمل كواقع من أجل إرضاء وإشباع الطموحات الغالية الثمن.. وفي أحيان كثيرة يكون قرارهم مبنياً على إرضاء رغبات ذويهم وضغوطم عليهم طمعاً منهم (أي أولياء الأمور) في تحقيق أمنياتهم بأن يكون لأبنائهم مستقبل واعد ورقي في مستوى الحياة!

قد لا يُلام الآباء على توجيه أبنائهم نحو مثل تلك المهن العالية الشأن بشكل عام، و لكن من حيث المبدأ، قد يستحقون اللوم عندما يكون للأبناء آراء مخالفة ورغبات مختلفة.. والأدهى والأّمر أنه في حالات عديدة يصطدم الأبناء بصعوبة تلك التوجهات و قد تكون اختياراتهم تلك غير مبنية على تقييم سليم ويفتقر الى التوجيه المناسب لمتطلبات تلك التخصصات.. وقد يكابد البعض ليواجه بعد سنوات الدراسة والجد والجهد والضغوطات النفسية أن سوق العمل لم يعد شاغراً وربما يكون مكتظاً بالخريجين العاطلين ممن سبقوهم.. فتضيع أحلى سنوات العمر، وليعود أغلبهم إلى محاولات بائسة لرأب الصدع والانخرط في مزيد من الدراسة لعلهم يخرجون من مآزقهم.. وبطبيعة الحال، كلما يمر الوقت، تتقلص الفرص أكثر فأكثر، ويزداد عدد الخريجين العاطلين، ليزداد شقاء الأجيال اللاحقة وليتضاعف قلق أولياء الأمور وحسرتهم على إضاعة المال والوقت والجهد في استثماراتهم المكلفة على عيالهم وهدر طاقات الأبناء في سبيل تحقيق طموحات ربما كانت واعدة في وقت ما، لكنها أصبحت واهية!!

وبطبيعة الحال ينتهي الأمر بالأبناء الى إلقاء اللوم على الآباء.. ليصبح الطرفان ضحايا لقصور النظر وعدم تقييم وضع سوق العمل ببعض من بُعد النظر منذ البداية.. وأنا شخصياً ورغم درجتي العلمية والأكاديمية وقعت في ذات المطب حين أقنعت أحد أبنائي بدراسة تخصص كان واعداً جداً قبل سنوات في مجال الـ«لوجيستكس».. حيث تنبأت الجامعة التي درس بها لهذا التوجه مستقبلاً واعداً ومردوداً رفيعاً، ليمضي على تخرّج إبني أربع سنوات دون توفر تلك الفرص الموعودة.. الرواتب في هذا المجال متدنية والمؤسسات العاملة في هذا المجال شواغرها محدودة.. وهذا هو حال المئات وربما الآلاف من الخريجين في كافة المجالات والتخصصات والدرجات العلمية، حتى بات بعض شبابنا بسبب فقدان الأمل يفكرون في الهجرة أملاً في بناء حياة أفضل في بلاد أخرى.. حالهم حال العمالة الآسيوية المنتشرة حول العالم بحثاً عن مصادر للرزق.. بحثاً عن حياة.. بحثاً عن هدف.. بحثاً عن مستقبل.. فهل لم يعد لبعض أبنائنا مستقبل واعد في وطنهم وقد تكالبت عليهم الظروف المعيشية، والغلاء والضرائب، وفرص العمل التي لا تتوافر كما يتمنون، حتى بات التوجه لدى بعضهم نحو الهجرة؟

‭{‬ أكاديمي بحريني متقاعد

mazeej@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news