العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كيف نتحول إلى الحوكمة البيئية؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠١ ٢٠١٩ - 01:00

ربما يمكننا أن نقول - كما أشرنا في الأسبوع الماضي - إن الحوكمة البيئية هي باختصار «آليات الحكم الراشد الذي يرتكز على المبادئ الأربعة المعروفة وهي: المشاركة أو المسؤولية المشتركة، وحكم القانون ليكون الجميع على قدر المساواة، الشفافية، وأخيرا المحاسبة أو المساءلة».

إلا أن الموضوع ليس من السهولة بمكان، فالحوكمة في حد ذاتها تحتاج إلى سنوات طويلة للتطبيق والتنفيذ على مستوى الأعمال الإدارية وخاصة في القطاع العام، فما بالنا إن كنا نتحدث عن جزئية منها مثل القضايا البيئية المتشعبة بصورة كبيرة، ودروبها متعرجة وشديدة الانحدار، فعندما نتحدث عن البيئة وقضاياها المتشعبة والمتشابكة فمن الخطأ أن نتحدث عن القضايا المحلية فقط، وإنما يجب أن نوسع مداركنا كثيرًا وأن ننظر ونفكر خارج الصندوق الذي نعيش فيه، بالإضافة إلى أن مصطلح (الحوكمة البيئية) مصطلح حديث نسبيًا إذ أنه لم يتبلور إلا في السنوات القليلة الماضية. 

وعلى ذلك فإنه عندما نريد أن نتحول من الإدارة البيئية إلى الحوكمة البيئية ينبغي على الحكومات أن تسير وفق منهجية تتكون من ثلاثة مستويات، وهي:

أولاً: المستوى الدولي والإقليمي؛ إذ أن على الدولة - أيًا كانت - أن تلتزم بإطار القانون الدولي والأنظمة البيئية الدولية والإقليمية، لذلك فإنه ينبغي عليها الانضمام والمصادقة على القوانين والبروتوكولات البيئية التي تصدر عن المنظمات البيئية الدولية وخاصة ذات التأثير المباشر على البيئة، ليس ذلك فحسب وإنما يمكنها أن تستفيد من كل تلك الأنظمة والبروتوكولات وتحولها إلى آليات يمكن تنفيذها وتطبيقها ضمن إطار الدولة نفسها وخاصة تلك التي تؤثر فيها بصورة مباشرة، كاتفاقية تغير المناخ للدول أو الجزر المنخفضة، والاتفاقيات المتعلقة بالتنوع البيولوجي وما إلى ذلك.

ولا ينتهي الموضوع عند ذلك وإنما على الدول أن تعيد النظر في قوانينها المحلية وتستمر بتحديثها لتتوافق مع الأنظمة والبروتوكولات العالمية والإقليمية، حتى لا تتعارض، لأن الدول - وخاصة دول العالم الثالث – في الكثير من الأحيان تحتاج إلى دعم لوجستي من المنظمات الدولية, لذلك فإنه من الضروري ألا تسير وفق أنظمة بالية أو لا تخدم الأنظمة البيئية بصورة أو بأخرى.

وليس الهدف من تحديث القوانين المحلية هو فقط ألا تتعارض مع القانون الدولي وإنما هذا يساعد بصورة كبيرة على امتلاك المؤشرات الدولية في تطبيق الأنظمة البيئية وكذلك أنظمة الجودة البيئية وأنظمة الأيزو الخاصة بالبيئة، فإن امتلكت الدولة مثل هذه المؤشرات وسعت الى تطبيقها على المستوى المحلي في الصناعة - مثلاً - فإن ذلك يساعدها على إمكانية تصدير المنتجات إلى دول العالم الأول والثاني لأنها تتوافق مع القانون الدولي، إذ أن الدولة - تلك - تغدو في السجل العالمي أنها من الدول التي تحافظ على البيئة وتسعى للمحافظة على الموارد الطبيعية بجميع صورها، وهذا يعني أنها تسعى للتخفيف من حدة الملوثات - الغازية، السائلة، الصلبة - وبذلك فإنها تصبح من الدول ذات القدرات البيئية بمعنى أنها ذات قدرة على الحوكمة البيئية.

ثانيًا: المستوى الحكومي والمحلي؛ على الحكومات المحلية في بادئ الأمر أن تقوم بإنشاء مؤسسات بيئية – وفي الحقيقة فإنه كل الدول تمتلك بطريقة أو بأخرى مثل هذه المؤسسات سواء في صورة وزارة بيئة أو هيئة بيئة أو ما إلى ذلك - إلا أنه ينبغي أن تشمل هذه المؤسسات ثلاث هيئات متصلة ومنفصلة في نفس الوقت، بمعنى أن تكون مترابطة من حيث السير قدمًا في طريق تنفيذ البرامج المتعلقة بالبيئة ولكن يمكن أن تتبع عدة مؤسسات مختلفة، ولكن - كما أشرنا - أن تعمل كلها وفق منهجية واحدة هدفها المحافظة على المنظومة البيئية في البلاد، وهذه الهيئات هي: الهيئة التشريعية، والهيئة التنفيذية، والجهاز الرقابي والقضائي.

1. الهيئة التشريعية، كالمجالس النيابية أو دور الإفتاء وإصدار التشريعات وما إلى ذلك، وهي تلك الجهات المكلفة بدراسة الأنظمة والقوانين البيئية العالمية والإقليمية وبناءً على ذلك وبالتعاون مع المؤسسات البيئية تقوم بإصدار التشريع والأنظمة البيئية الخاصة بالبلاد، على أن تستوعب هذه الجهات أن التأخير في إصدار التشريع ليس من صالح البلاد، فالأنظمة والقوانين تتغير وفق المتغيرات العالمية، لذلك فإن على الجهات التشريعية أن تعطي الأولوية للقوانين والبروتوكولات البيئية.

2. الهيئة التنفيذية، وهي تلك المؤسسات التي تعمل من أجل إدارة البيئة في البلاد، وتنفيذ التشريعات والبروتوكولات الدولية والإقليمية والمحلية، بالإضافة إلى المحافظة على الموارد الطبيعية والتحكم والسيطرة في الملوثات بشتى صورها، وكذلك المحافظة على صحة الإنسان الذي يعد هو المحور الأول في الإدارة البيئية، ومن الواضح إذن اننا نتحدث عن الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية. 

ويقع عبء كبير على الهيئة التنفيذية في الحوكمة البيئية، فهي التي يجب أن تتصدى لوضع الأطر العامة والتفصيلية للقوانين والبروتوكولات البيئية المبنية على القانون الدولي، وهي التي يجب أن تضع الاستراتيجيات التخطيطية والتنفيذية من أجل المحافظة على البيئة والموارد وصحة الإنسان والبيئة، وهي التي يجب أن تساهم بصورة أو بأخرى في التحول من المحافظة على الموارد البيئية إلى الاقتصاد الأخضر، وهي التي يجب أن تضع الأطر العامة والخاصة للتحول إلى المباني والمدن الخضراء المستدامة، وهي التي يجب أن تؤطر الصناعة الخضراء، وكذلك هي التي يجب أن تحول المؤشرات العالمية في الحوكمة البيئية إلى مؤشرات وطنية حتى تتمكن المصانع والمؤسسات المنتجة من التحول إلى الاقتصاد والصناعة الخضراء، وكذلك هي ملزمة بإنشاء مركز الدراسات والبحوث البيئية التي من مهامها الرئيسية تدريب العاملين والموظفين في شتى المجالات المتعلقة بالبيئة، وكذلك إصدار شهادات الجودة والأيزو المتعلقة بالبيئة، بالإضافة إلى عمل الدراسات والبحوث البيئية ومحاولة ربطها بصحة الإنسان تارة وتارة أخرى باستنفاد الموارد الطبيعية وتارة ثالثة بالإدارات البيئية كإدارة السواحل، والسياحة البيئية والصحراء والمياه، وكذلك يجب ألا تنسى تلك الجهات أن تقوم بإنشاء قاعدة بيانات بيئية يمكن أن يستفيد منها كل باحث وكاتب ومهتم وما إلى ذلك من أمور كثيرة يصعب ذكرها هنا.

وكذلك فإن على الجهات المسؤولة تلك ألا تنسى دورها المهم في التوعية وتثقيف الناس, وذلك بوضع المناهج التعليمية والتثقيفية وبرامج التوعية سواء العامة أو الخاصة، فإن من مهام تلك الجهات عند الرغبة في إقامة الحوكمة البيئية أن تجذب القلوب واتجاهات المواطنين معها لأنها ليست بالمهمة السهلة وإنما هذه المهمة تحتاج إلى تضافر كل الجهود، لذلك فإن نجحت في استقطاب الناس والسكان فإنها حتمًا ستكون ناجحة في إقامة الحوكمة البيئية. 

3. الجهاز الرقابي والقضائي، وربما نعني به هنا إنه ينبغي إنشاء جهاز خاص للرقابة البيئية أو ما يمكن معرفته في الوقت الحالي (بالشرطة البيئية)، وهو جهاز خاص يتبع الأنظمة والمنظومات البيئية ولكنه من الناحية الهيكلية والتنظيمية يكون تابعا لجهاز الداخلية والشرطة وذلك حتى تكون لديهم سلطة قضائية يمكن استخدامها في اللحظات التي يجدون فيها أنه يجب اتخاذ إجراء قانوني معين، فالمفتش البيئي - في الكثير من الدول - ليست له سلطة قضائية، إذ ينبغي له في حالة وجود مخالفة أن يسجل المخالفة ويعود إلى الجهات التي تخوله فيصدر الأمر القضائي بضبط المخالفة، وهذا في الكثير من الأحيان غير مطلوب لأن السرعة في تنفيذ وتطبيق الأنظمة - في الكثير من الأحيان - مطلوبة. 

ليس ذلك فحسب وإنما يتبع وجود الشرطة البيئية إنشاء ما يعرف (بالمحكمة البيئية) وهو جهاز خاص يقوم بالنظر في المخالفات والقرارات الخاصة بالقضايا البيئية حتى لا تتأخر، أو يحدث فيها لبس أو عدم فهم، فالقاضي البيئي - يكون ملمًا بالقانون من جهة ومن جهة أخرى يكون واعيًا بأمور البيئة - هو أولى بإصدار الحكم المناسب في أي مخالفة أو شبه أو قرار بيئي. 

ثالثًا: على المستوى الأهلي والشعبي؛ عندما نصل إلى هذا المستوى نكون قد وصلنا إلى آخر السلم في المستويات التي ينبغي الاهتمام بها عند الرغبة في إقامة منظومة الحوكمة البيئية، فالأهالي والمواطنون هم القوة الكبيرة التي يجب أن تستغل من أجل إقامة المنظومة المتكاملة، فهم جزء مهم ومحوري في إقامة الحوكمة البيئية، ويجب ألا يستهان بهم وتهميشهم.

لذلك ففي بادئ الأمر على الجهات المسؤولة أن تقوم بإنشاء - ونكرر بإنشاء - أو تشجيع بإنشاء فرق أو جماعات ضغط بيئية، أو ما يمكن تسميتهم (بجماعات صديقة للبيئة)، مهمتها مراقبة الأجهزة الحكومية وتقييم عملها وفق الأنظمة والقوانين الدولية والمحلية، وكذلك تساهم بصورة كبيرة في ترصد المخالفات التي يصعب مراقبها في المصانع والمنشآت ذات العلاقة بالبيئة وصحة الإنسان، ففي بعض الأحيان وعندما يغيب الرقيب فإن الكثير من البشر يقوم بعمل المخالفات بصورة أو بأخرى من أجل الربح المادي أو من أجل المخالفة فحسب، لذلك فإن هذه الجماعات تساهم في رصد ذلك، بالإضافة إلى أن هذه الجماعات يمكنها رصد السيارات المخالفة للبيئة والمحلات والبيوت والمنازل والمناطق الصناعية وما إلى ذلك، ويجب أن يكون مفهومًا لدى الأجهزة والمؤسسات البيئية ان هذه الجماعات صديقة وليست عدوة، وانها تريد خير البلاد ولا تريد الكراسي والمناصب، لذلك وجب التعاون معها.

وحتى تقوم هذه الجماعات بعملها خير قيام فإنه ينبغي على المؤسسات البيئية والجهات المسؤولة التواصل معها وعمل دورات تدريبية وورش عملية لها حتى تساهم في نشر الثقافة والتوعية البيئية في أوساط هذه الفئة من الناس، وبالتالي نشر الثقافة البيئية في المجتمع ككل إذ أن من مهام هذه الفئة من الشباب نشر الثقافة والوعي والاحتكاك والتواصل بالمجتمع بجميع شرائحه.

ولكن إن كان من الصعب إنشاء مثل هذه الفئات من الشباب والشابات على أرض الواقع، إذ أنه يمكن أن تحتاج إلى ميزانيات وما إلى ذلك من تكاليف, فإنه يمكن الاستفادة من الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني من أجل إنشاء لجان شعبية شبابية مهمتها المساهمة في إدارة البيئة في البلاد، وهذا الوعي الشعبي موجود في معظم الدول المحيطة، وهذا يعد جزءا مهما من عمل المجتمع المدني، إذ أن المسؤولية المجتمعية تعد جزءا أصيلا من عملها، لذلك يمكن الاستفادة منها والتواصل معها، بل وتشجيعها على إنشاء مثل هذه اللجان.

هذه بعض الأساليب والطرق لإقامة منظومة الحوكمة البيئية، وعلى الرغم من ذلك فإن الموضوع حديث ويحتاج إلى الكثير من الجهود الحثيثة والمتواصلة، ولكن من الجدير بالذكر انه يصعب إقامة منظومة التنمية المستدامة من غير المرور على إقامة منهجية الحوكمة البيئية، فالبيئة جزء مهم من التنمية المستدامة لذلك فإنه يجب التفكير الجدي في ذلك، وإلا فإننا نسير في الاتجاه الخاطئ.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news