العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: وداعًا أيها الحبيب!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٣١ ٢٠١٩ - 11:05

حُزني طَويلٌ كشجرِ الحُور 

لأنني لستُ ممدّدًا إلى جَواركَ يا بدر 

ولكني قد أحلّ ضيفًا عليكَ في أي لحظَةٍ

الفارسُ الذاهبُ القادمُ حين قال هذه الأبيات في المونودراما الشعرية التي كتبها «موجز أنباء الموت» التي أعدها ومثّلها وأخرجها الفنان العراقي حسين علي هارف عن قصيدة الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ «إلى بدر شاكر السياب»، وعرضت ضمن الفعاليات الفنية لمهرجان المربد الشعري في دورته الـ 32 عام 2018 كأنه كان يتحسس قرب حتفه، وصدق وترجّل الفارسُ المتعبُ من صهوة مجده وحلّ ضيفًا دائمًا على بدر شاكر السياب الذي كان يفتقدهُ وصرخ في قصيدته المذكورة «يا أبانا غُرباء من بعدكَ يا أبانا». غياب حبيب الصايغ المفاجئ كان صدمة أفقدت محبيه توازنهم فقد رحل دون وداع، غير منتظر موجز أنباء الموت من محطة الفجائع. رأيته في آخر مرة في ابوظبي أثناء المؤتمر الثقافي العالمي حول القدس الذي نظمه الاتحاد العام للأدباء العرب في فبراير 2018 وكان كعادته دافئًا ممتلئًا حبًا وحفاوة، على الرغم من مشاغله الكثيرة، حيث كان غارقًا في التنظيم والترتيب لأمور الفعالية، ولم أكن أعلم أن ذلك هو اللقاء الأخير. في هذه المونودراما عن السياب، اقترب حبيب الصايغ من تخوم الموتِ وكأنه كان يشعر بدنوه:

بعد خمسين عامًا من المَوت

ماذا يريدُ المدَّثر بالشعرِ

ماذا يشخبطُ بالضوءِ في عتمةِ القَبر:

مرّت سحابتهُ بين عينيهِ فاستيقظَ الدودُ

قال أحاورُ معناي من بعد خمسين عامًا

فليمدُ الظلُّ في موضعِ الظلِّ

حاولَ أن يستعيدَ الكتابةَ

لكنه لا يُحسنُ الكنايةَ عن نفسهِ

وله سببٌ كامنٌ في ماءِ السِنين

الذي يتوالى على الموتِ كالدَمعِ

دمعُ القُلوب

 رحل الرجل الإنسان وهو في قمة عطائه الإبداعي والثقافي حيث كان يشغل منصبي رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب. تركَ كل شيءٍ ومضى ليرتاح بعيدًا عن الصخب والضجيج وتعب الروح ليغمض عينيه في منأى عن عبث الأشياء، وعبث الموت الذي قال عنه ذات مرة:

وحيدًا، بعيدًا أُنير دُجى مَعبدي

وأعالجُ ضِعفَ يدي بيدي

واسمي الرَدَى ولَدي

في يوم وفاته لم تتمالك الشاعرة الإماراتية ظبية خميس نفسها، والصدمة تهزها والحزن يتشبث بعنقها وروحها 

فالاثنان كانا رفاق دربٍ واحد، معًا تعاونا في تأسيس اتحاد كتّاب الإمارات عام 1984 وكانا أصدقاء الحرف والطريق في مدن العالم القريبة والبعيدة، فكتبت قصيدة مطّولة هي عبارة عن رثاء مفجع، نذكر مقاطع منها: 

الأميرُ ذو اللحية الكثّة السوداء

إبن عائلة الصاغة

الذي كتب قصائدَ للفقراءِ

في هنا بار بني عبس والدعوة عامة

وقرأها أمام الكاميرا

ويدهُ تعلو بالنشيدِ والرولكس المُذهّبة

التي إنعكست على إضاءة

المشهد والقصيدة

***

تركتكَ شابًا بلحيةٍ سوداء

والتقيتكَ شيخًا بلحيةٍ بيضاء

وجسدٌ صار يثقل بالألم

عامًا بعد عام

***

سيبقى بيني وبينكَ

خطوةٌ فوق الأرض

وحبٌ قديم لم يكتمل

وبعثراتُ الطريق

والمسافاتُ وتلك الزنزانة

وتلك القطيعة

وتلك اللقاءات الأخيرةِ الباهتة

هذه القصيدة قالت الكثير، دمعًا ودمًا وطريقا. ولا أخفي أن هذه القصيدة – بعيدًا عن رأيي فيها من الناحية الفنية - أوصلتني إلى مشارف البكاء، فهي مكتوبة بماء الروح وبغبار الذكرى، ولا الومها في استرسالها في الإفصاح عن أشياء حميمة وخاصة لم يكن من اللائق نشرها على الملأ حسبما رأى البعض ولكن هول الصدمة واحساس الفجيعة جعلها تنسى نفسها وتغرق في هطول الحرف.

لا شك أن رحيل حبيب الصايغ خسارة كبيرة للإمارات والخليج العربي والوطن العربي بغياب هذه القامة الشاهقة التي أثرت الساحة الخليجية بإسهاماتها وابداعاتها. نم قرير العين أيها الحبيب فأشعارك تعانق كل سماواتنا وقلوبنا. ولروحك السلام!

 Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news