العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية.. العمر الافتراضي للإنسان 135 عاما

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٣١ ٢٠١٩ - 01:00

لفت نظري مؤخرا معضلتان خطيرتان مرتبطتان باقتصاد الطب وظاهرة زيادة الوزن والبدانة والتي وصلت نسبتها إلى 75% بين الكهول في وطني مملكة البحرين الجميلة. فليسمح لي عزيزي القارئ توضيح فكرتي، ففي اليابان، كما ذكرنا سابقا، هناك قانون طبي يفرض على كل كهل يزيد خصر بطنه عن 84 سنتمترا مراجعة الطبيب لإجراء فحص للتأكد بعدم إصابته بأحد أمراض الاستقلاب اللاوبائية المزمنة، كارتفاع الضغط أو ارتفاع سكر أو كولسترول الدم، أو تضيق في شرايين القلب أو المخ أو الأمعاء أو الأطراف السفلية. وفي نفس الوقت يتم التأكد بأن المريض ليس لديه أية أعراض لمرض السرطان، حيث أثبتت الأبحاث العلمية بأن البدانة سبب مهم لذلك. ولنتفهم معضلة البدانة وزيادة الوزن على إنهاك الاقتصاد الوطني، فلنراجع التجربة الصحية الأمريكية، فمع ان الولايات المتحدة دولة عظمى رائدة في الأبحاث والتكنولوجية الصحية والدوائية والرعاية الطبية المتخصصة، ولكنها تعاني من سلبيات ارتفاع نسب زيادة الوزن والبدانة على الدين العام وكلفة الرعاية الصحية، والتي ارتفعت إلى أربعة تريليون دولار، لترهق الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 18%، ولترتفع كلفة الفرد الواحد سنويا في الرعاية الصحية إلى أكثر من عشرة آلاف دولار، مع ان هناك ما يقارب الأربعين مليون شخص من دون تأمين صحي، كما ان كفاءة الرعاية الصحية الأمريكية ترتيبها السابعة والثلاثين، بينما تصرف الدول الاسكندنافية اقل بكثير وهي في مقدمة الدول، كما ان اليابان تعد ضمن الدول العشر الأوائل وهي تصرف على الفرد اقل من نصف الولايات المتحدة، وطبعا من أهم أسباب ذلك هو بان نسبة البدانة في اليابان اقل بعشرة أضعاف من نسبة البدانة في الولايات المتحدة. وطبعا نحن في منطقة الخليج أمام نفس التحديات الأمريكية في الرعاية الصحية، فنسب البدانة وزيادة الوزن قاربت النسب الأمريكية ان لم تتجاوزها، ويعني ذلك بأننا أمام تحديات زيادة كلفة الرعاية الصحية، وخاصة مع زيادة نسب الأمراض المزمنة اللاوبائية، والتي هي السبب الرئيسي للشيخوخة المبكرة. 

ومع الأسف الشديد نحن نتحدث عن تحديات الشيخوخة المبكرة في زمن اكتشف فيه أكسير الحياة الخالدة، والتي تحدثت عنه الأساطير القديمة، بعد أن اكتشف البروفيسور الياباني شن ياماناكا، الحاصل على جائزة نوبل في الطب، وسيلة لإرجاع الشباب بل الطفولة الجنينية، لخلايا الجسم الكهلة، وذلك بإضافة أربعة عوامل جينية وراثية للخلايا الكهلة، لكي تعيد طفولتها الجنينية وشبابها من جديد. كما أكتشف العلماء اليابانيون مؤخرا بأن السبب الرئيسي لأمراض الشيخوخة هو تدهور إنتاج الطاقة في الخلية بجهاز الميتوكوندريا، وذلك بسبب اضطراب استخدام الأوكسجين في عملية الاستقلاب الكيماوية. لذلك يعتقد البروفيسور اوبري دي جريج، بأنه ليس من الحكمة أن نضيع مواردنا المالية الصحية في محاولة محاربة نتائج أمراض الشيخوخة، من دون محاربة الشيخوخة نفسها. فمن المعروف بأن سبب الوفاة بالدول المتقدمة في 90% من الحالات هي الشيخوخة، لذلك تعتبر معالجة الشيخوخة نوعا من المعالجة الوقائية، لجميع أمراض الشيخوخة، من السرطان وحتى أمراض الكوليسترول والسكري، وبمختلف اختلاطاتها من جلطة القلب وحتى السكتة الدماغية. ولنتذكر بأن فكرة الشباب الخالد ليست اختراعا جديدا، فهناك الكثير من الأساطير التي تحدثت عن محاولة الحضارات القديمة وقاية ملوكها من الموت، وتعويضهم بشباب دائم. فقد ذكرت المؤلفات الصينية القديمة قصة لأحد أباطرة الصين حاول أن يعيش حياة أبدية، فأرسل بعثة استكشافية مؤلفة من مجموعة من الشباب والشابات في سفينة لأعماق المحيط، للبحث عن لؤلؤة مدفونة، لاعتقاده بأنها ستطيل عمره. ولم يفلح البحارة من العثور على لؤلؤة الحياة الأبدية، ولكنهم اكتشفوا جزر اليابان، التي يقطنها أناس اشتهروا بطول العمر. كما تحدثت كتب التاريخ عن البحار جوان بونس دي ليون، الذي قاد بعثة استكشافية في القرن السادس عشر لجزر الكاريبي، للبحث عن ينبوع الشباب، الذي يقي شرب مائه من الشيخوخة. وتعتقد الأديان السماوية بأن الإنسان يتجدد شبابه بعد الموت قبل دخوله الجنة. كما ذكر في الكتاب المقدس، الإنجيل، شخص يسمى ميتهيسلاه، وهو أحد أحفاد ادم عليه السلام، قد عاش تسعمائة وتسعة وستين عاما. ويتساءل البعض: إذا تمكن ميتهيسلاه أن يعيش حوالي الالف عام في ذلك الوقت، فما الذي يمنع إنسان الألفية الثالثة أن يعيش شبابا خالدا؟ ويبقى السؤال المحير هل فعلا من الممكن أن يخلد الجسد حيا؟ 

تهتم مفاهيم الطب الشامل بالجسد والروح، بينما يركز الطب الغربي المعاصر على الجسم المادي، والذي يحتوي على مجموعة من الأعضاء، والمكونة من وحدات صغيرة، تسمى بالخلايا. ويعرف الطب الحديث موت الجسم بتوقف الأبدي لوظائفه الرئيسية كالجهاز العصبي والقلب والتنفس، وتتوقف وظائف هذه الأعضاء بموت خلاياها. والخلية هي المصنع الذي يوفر لكل عضو من أعضاء الجسد ما يحتاج إليه من الغذاء لتأدية وظائفه بإتقان. وتحتوي الخلية على مصنع صغير للطاقة يسمى بالميتوكوندريا، كما ذكرنا، يقوم بإنتاج الطاقة التي تحتاج لها أعضاء الجسم المختلفة لأداء وظائفها، وذلك بتفاعل السكر مع الأكسيجين، ليكون وحدات حرارية تخزن في الخلية بشكل مواد كيماوية تسمى بال «ايه تي بيه». كما توجد مصانع أخرى لصناعة مواد بروتينية مختلفة يحتاج إليها الجسم لتغذيته ولأداء وظائفه. ويسيطر على عمل الخلية مورثات تشبه عصيات، مكونه من جينات، توجد على طرفيها لولب خيطي صغير، يسمى بالتيلومر، وهو المسؤول عن طول عمر الخلية. وتبدأ شيخوخة الخلية حينما يقصر طول التيلومر، ويختفي تدريجيا، وبذلك تتوقف المورثات عن سيطرتها على وظائف الخلية، ليؤدي ذلك لتوقف أنتاج الطاقة والمواد الغذائية اللازمة، مما يؤدي لتراكم السكر والكولسترول في الدم مع تجمع المخلفات والسموم في داخل الخلية، فيشيخ الجسد وينتهي بالموت. ويبقي السؤال: ما هي الأسباب التي تؤدي لتلف تيلومر المورثة؟ 

لقد قام العلماء بكثير من الأبحاث للجواب على هذا السؤال، واعتمدوا على تجارب مخبريه لحيوانات صغيرة، وبالأخص الفئران. وقد أنشئت مؤسسة عالمية سميت بمؤسسة ميتهيسلاه الخيرية للأبحاث المضادة للشيخوخة، وتمنح هذه المؤسسة جائزة سنوية، سميت بجائزة فأر الميتهيسلاه للباحث الذي يطيل عمر فأر المختبر لعمر لم يسبق له مثيل. وتنقسم هذه الجائزة لجزأين، أحدهما يتعلق بإطالة عمر الفأر، والأخر بالمحافظة على شبابه. وقد تمكنت الأبحاث العلمية من زيادة متوسط عمر فئران المختبر من ثلاثة سنوات إلى خمس سنوات بالاعتماد على الحمية الغذائية. ويتعلق هذا العلاج على إيجاد توازن بين أقل كمية أكل لازمة لإطالة عمر الفأر، من دون أن تؤدي لمجاعته وموته. وقد أكتشف الدكتور ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد، بأن سبب إطالة العمر بالحمية الغذائية هو الجينات التي تصنع مادة بروتينية تسمى «سيرتوينز»، التي تسيطر على وظيفة مصنع الطاقة في الخلية المسمي «الميتوكوندريا»، والذي ينشطها مادة تسمي «الريزفيراترول»، وهي مادة موجودة في بعض المواد الغذائية والمشروبات. كما كتبت مجلة الايكونوميست البريطانية مقالا بعنوان القضاء على الشيخوخة، وكيف يمكنك أن نعيش للأبد، وتساءلت المجلة هل من الممكن أن يطيل الطب عمر الإنسان؟ وإذا أمكن ذلك، فكيف، وما هي الكلفة؟ ولماذا أصلا يشيخ الإنسان؟ وهل من الممكن أن نعتبر الإنسان كالآلة نستطيع تغير قطع غيارها كلما تلفت، لتستمر العمل والإنتاج عبر السنين؟ وهل من الممكن أن نصل لمرحلة تكون قد جددت جميع قطع غيار الإنسان بقطع جديدة؟ وقد يبقى سؤال آخر: هل ستصل الآلة البشرية لمرحلة نتساءل فيها، هل هناك جدوى من إصلاحها؟ 

لقد حافظ الخالق جل شأنه على بقاء الكائنات الحية في الطبيعة بخلق آلية التكاثر. فخلود البقاء شيء حتمي بين النبات والحيوان والإنسان، وذلك بتوفر صيغ مختلفة للتكاثر لتنتقل المورثات والجينات من ذرية لأخرى عبر العصور. فذرية الإنسان مستمرة منذ آدم عليه السلام. ويحتوي جسم الإنسان على نوعين من الخلايا، وهي خلايا التكاثر الخالدة، وخلايا الجسد الفانية. فخلايا التكاثر، وهي النطفة والبيضة، تنتقل من جيل لآخر، بينما تموت خلايا الجسد الأخرى. ويعتقد دكتور أوبري دي جري، الباحث في جامعة كمبريدج، بأن هناك سبعة أسباب لشيخوخة الخلايا، وهي: فقدان الخلايا وتحللها الذاتي، وطفرات نواتها الجينية، والطفرات الجينية في الميتوكوندريا، وتراكم المخلفات بداخل الخلايا، وخارجها، بالإضافة لتراكم السموم القاتلة. وتزداد هذه المخلفات والسموم بزيادة الأكل والضغوط الحياتية، وبقلة الرياضة العضلية والذهنية. فمن المعروف بأن الرياضة العضلية والذهنية تؤدي لإفراز مواد هرمونية تنعش الخلايا الجسمية والعصبية، فتكبر حجمها، وتزيد من وظائفها، لتمنع شيخوختها. كما أن الميتوكوندريا هو مصنع الطاقة في الخلية الذي يقوم بحرق السكر بتفاعله مع الأوكسجين لإنتاج الطاقة، وأحد التحديات التي يواجهها هذا المصنع الصغير هو انشطار شحنة إلكترونية سالبة من الأكسجين. وتسمى هذه الشحنات السالبة بالفري راديكلز أي الجذريات الحرة. وتجول هذه الجسيمات الصغيرة في الدورة الدموية، وتغزو الخلية، لتتلف لولب التلومير والجينات الموجودة على مورثاتها، فيضطرب العمل وتتراكم المخلفات، لتشيخ الخلية. ولو استطعنا أن نطهر الجسم من هذه الجذريات الحرة، سنستطيع أن نحمي الخلايا من تلف الشيخوخة. وتوجد الكثير من المواد التي تبطل مفعول هذه الجذريات السامة وتخلص الجسم منها، وهي موجودة في الكثير من الفواكه والخضراوات. وباختصار شديد، لتأخير الشيخوخة نحتاج لقلة الأكل، وجودة نوعيته، بكثرة تناول الخضراوات والفواكه، وقلة أكل اللحوم الحمراء والدهون والسكريات، مع تناول كميات كبيرة من الماء، بالإضافة لممارسة الرياضة اليومية، وتخفيف الضغوط الحياتية، وقد بينت الأبحاث العلمية إمكانية استبدال الخلايا المسنة بخلايا جديدة يانعة، وهي الخلايا الجذعية المعروفة بالاستم سلز. وتتشكل الخلايا الجنينية الجذعية عادة من اندماج الحيوان المنوي مع البويضة، ليؤدي هذا الاندماج لتشكل خلايا المضغة التي تستطيع التكاثر بسرعة والتحول لأية نوع من خلايا الجسم. فلو استطعنا حقن هذه الخلايا في أحد أعضاء الجسم كالكبد والبنكرياس والقلب وحتى المخ يمكن أن نضيف خلايا جديدة يانعة وطويلة العمر. وتتكاثر هذه الخلايا اليانعة بداخل العضو وتتميز فتطور وظائفه، لترجعه عضوا يانعا من جديدا. فباختصار يمكن مستقبلا أن نغير أعضاء الجسم المسنة بأجزاء جديدة كل فترة معينة من الزمن. والخلايا الجذعية موجودة في مضغة الجنين وتتعرض المضغة للتلف عادة بأخذ بعض من خلاياها الجنينية الجذعية. لذلك تمكنت الأبحاث العلمية الجديدة من اكتشاف طرق جديدة لتكوين الخلايا الجذعية الجنينية من خلايا الكهلة، كخلايا الجلد، بحقنها بأربعة من عوامل الجينات الجنينية. وقد تفتح هذه الاكتشافات الجديدة الطريق للسماح بأبحاث الخلايا الجذعية، والتي ستخلق ثورة جديدة في عالم الطب. وللمحافظة على الشباب بالوقاية الصحية، نحتاج لاستمرارية الأبحاث المضادة للشيخوخة، وإذا استطاع الإنسان إن يطيل عمره عدة سنوات إضافية، فقد يكتشف العلماء طرق جديدة للمحافظة على شباب دائم. وهنا اريد ان انهي المقال بسؤال سألته للبروفيسور شن ياماناكا، الحائز على جائزة نوبل للطب في عام 2012: هل يمكن ان يعيش الإنسان للأبد بعد اكتشاف آلية لإرجاع الخلية الكهلة إلى خلية جنينية؟ فكان رده بالنفي، وذلك لأن التولومر الموجود في نهاية المورثات ينتهي عمره الافتراضي بعد مائة وخمسة وثلاثين سنة من العمر البشري. ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news