العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

لا تجهر بِسوء القول

ا.د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:23

 

كلنا يقرأ القرآن، ولكن عندما نتدبر قراءته فأننا نكتشف اشياء مهمة ومعان جديدة، وقد قرأت القرآن مرات عديدة، ولكن فى كثير من الأحيان أمر مرور الكرام، وعندما ينتبه العقل فإن امرا مهما يحدث، وانا أقرأ في سورة النساء، استوقفتني الآية الكريمة التي يقول الحق فيها «لا يُحِب اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا» (النساء: 148). وكنت أظن أن الآية تقف عند هذا الحد، فمعنى الآية ظاهريا واضح وهو أن الله لا يحب من أي إنسان أن يجهر بسوء القول وفحشه على أي إنسان آخر، وقد جعل الحق استثناءا واحدا، ألا وهو حالة ظلم الإنسان، وما أشد مرارة الظلم في أي شيء، حتى ولو كان صغيرا، حتى ولو كنت تقف في صف تنتظر دورك لقضاء عمل ما، ثم جاء من يأخذ دورك دون أن يستأذن، فأنك تحس بالظلم، وهذا في ظاهره أمر بسيط، ولكنها النفس البشرية، وقد سألت نفسي سؤالا بديهيا وهو لماذا لا يحب الله الجهر بالسوء من القول؟ توجد اجابة ظاهرة وهي ان سوء القول وفحشه يكون من سوء الخلق، والله ورسوله لا يحبان سوء الخلق، لأن الحق سبحانه قد أعطى الكلمة الطيبة قدرا عظيما فقال «ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (24 – إبراهيم), وقال ايضا «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا» (53-الإسراء)، وكذلك قال الله عن خلق رسول الله «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (4–القلم) وبالقياس فإن الله يحب لكل خلقه بأن يكونوا أصحاب أخلاق كريمة، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في معنى الحديث «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولكن هناك معنى آخر وراء ذلك وهو أن الله سبحانه لا يريد أن تشوه صورة المجتمع ولا يريد أن يكون ذلك مدعاة لتمزيق المجتمع بداية من الأسرة إلى كل المجتمع، حتى بين الأمم وبعضها البعض، وللأسف الشديد فإن ما يحدث من بعض الدعاة وغيرهم، وهم من المفترض ان يكونوا صورة المجتمع والصورة المُثلى للدين، فعلى الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، نجد سيلا من سوء القول، هذا يكفر هذا، وهذا يدعي بأن هذا زنديق وخرج عن الملة، لمجرد اختلاف فى رأي معين، أو لمجرد اختلاف في مذهب معين، يا من يُشَار إليكم بالبنان، ويا من تقولوا بأنكم أهل علم، ماذا تركتم لعامة الناس؟! فأي انسان يبحث عن مصدر للدين ثم يسمع ويرى ما يحدث على الفضائيات ووسائل التواصل، فإن الأمر سيتعقد بالنسبة إليه، ولن يعرف من اين يبدأ أو إلى اين يسير، فأين نحن من هذه الآية الكريمة؟، كما بدأت المقال، كلنا قرأها مرات عديدة، ولكن مررنا عليها مرور الكرام، حسن القول وتجنب سوء القول من الأخلاق الكريمة، يجب أن نتحلى بها، ويجب أن ننتبه إلى أن الله لا يحب الجهر بسوء القول، أعود إلى الاستثناء الذي ذكره الحق فى الآية الكريمة، فهو استثناء وحيد، جعله الله لمن ظُلم فقط، أي يمكن لمن ظُلم بأن يخرج منه سوء القول، ولكن الحق ايضا لا يحب ذلك، فلو أكملنا قراءة الآية التالية لهذه الآية لوجدنا ذلك واضحا جليا، حيث يقول الحق «إِن تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عَن سُوءٍ فإن اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» (149-النساء). يا سبحان الله، حتى الاستثناء الذي رخص له الحق، لا يحب الله لنا أن نفعله، فمن الأولى ان نبدي الخير إذا أمكن ذلك، وان لم نستطع فمن الأفضل إخفاءه، ثم ينتقل الحق إلى مرتبة العفو عن هذا السوء الذي تعرض له الإنسان، وهذا ما يحبه الله، ويذكرنا الحق فى الآية الكريمة بأنه «عَفُوًّا قَدِيرًا»، فبرغم قدرته سبحانه على أن ينتقم، ويقول للشيء «كن فيكون» ولكنه يعفو، ولكن هيهات هيهات، كل من جلس خلف الميكروفون والكاميرات المغرية، والذاهبة بأي عقل، لأنها كاميرات النجومية، فأنه ينسى نفسه، وينصب نفسه حاكما على سكنات الناس وحركاتهم، فمن تفوه بكلمة لا تعجبه فله الويل والثبور، فلماذا لا نرد بأدب ان لزم الأمر، ولماذا يكون التجريح وسوء القول حاضرا طول الوقت؟!، هذا ما أمر الله به رسوله وهو يدعو عتاة الكفر، فما بالك بمن هم من بني جلدتك وعلى نفس دينك، فالحق يقول لرسوله «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (159-آل عمران)، هذه امور سهلة بسيطة، نمر عليها وننساها، فتكون العواقب وخيمة لأنها تمس صورة الإسلام وأهله، والدين كله يسر، ولكن من كثرة ما يقال شرقا وغربا فقد ظهر التشدد وظهر الكارهون، فهل يمكن أن نغير سوء القول إلى حسن القول؟ وهل يمكن أن لا نجهر بسوء القول بل نجهر بخير القول؟ وهل يمكن أن نصل إلى درجة العفو التي امرنا الله بها حتى ولو ظلمنا؟ كل ذلك ممكن ولكن بشيء من الهدوء والتعقل وحسن القول. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news