العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (89)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:20

 المرحلة المصرية (68): 


كيف دخل الإمام جماعة كبار العلماء؟

أشرنا في حلقات سابقة إلى جهود الإمام في خدمة اللغة العربية والأدب.. والوقوف بالمرصاد لكل من حاول أو يحاول النيل من لغة القرآن، وقد أولاها عناية خاصة فأفرد لها أبوابًا ثابتة في المجلات الأربع التي تولى رئاسة تحريرها (تقدم الكلام عنها وهي: السعادة العظمى – نور الإسلام – الهداية الإسلامية – لواء الإسلام) وقد دعا كبار علماء اللغة والأدب للكتابة في هذه الأبواب فأفادوا وأجادوا وردوا إلى العربية اعتبارها وقدرها بعد الهجمة الشرسة عليها من لغة المحتلين ولغات أخرى.

ولم تقف جهود الإمام في خدمة اللغة العربية عند هذا الحد بل إنه قدم للمكتبة العربية مؤلفات من أحسن ما كتب في بابها وقد أشرنا إلى شيء من ذلك أيضًا في مقامه.

واليوم نضيف جديدًا في هذا الميدان وهو مؤلفه الرائع والفريد في بابه والذي يحمل عنوان: «القياس في اللغة العربية» وهي الرسالة التي دخل بها جماعة كبار العلماء.

وما كان أحد يدري أنه بحصوله على عضوية تلك الجماعة قد هيأ الله له الأسباب لتولي مشيخة الأزهر حيث إن من أول الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى هذا المنصب أن يكون عضوًا بجماعة كبار العلماء والشيخ قد صدر بحقه أمر ملكي بتعيينه عضوًا بها في 29 من أبريل سنة 1951م.

ولعل القارئ يسأل: ما المراد بجماعة كبار العلماء؟

إنها جماعة أصدر الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر قرارًا بإنشائها سنة 1911م وأطلق عليها «هيئة كبار العلماء».

وتتكون من ثلاثين عالمًا من صفوة علماء الأزهر ليتفرغ كل منهم لإلقاء محاضرات علمية عميقة بحسب تخصصه في الفقه أو الحديث أو التفسير أو علوم اللغة العربية أو التوحيد والمنطق أو التاريخ والسيرة النبوية أو الأخلاق الدينية وهذه المحاضرات يحضرها العلماء والباحثون.

ولما عُيِّن الإمام محمد مصطفى المراغي شيخًا للأزهر غير اسمها إلى «جماعة كبار العلماء» واشترط في أعضائها إلى جانب الشروط القديمة أن يكون العضو فيها من العلماء الذين أسهموا في الثقافة الدينية وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالخبرة والابتكار. ثم جعل أعضاءها ثلاثين عضوًا - كسابق عهدها - وآثر بعضويتها أُولي الكفاءات العلمية والأخلاق السامية. حتى أصبحت أكبر هيئة علمية في العالم الإسلامي. ثم جاء قانون تطوير الأزهر بما له وما عليه فألغيت هذه الجماعة وحل محلها «مجمع البحوث الإسلامية» ولكن الله رد غربتها ردًا كريمًا فعادت إلى الحياة مرة أخرى في عام 2012م لتؤدي رسالتها الكبيرة مع المجمع ولكل وجهة هو موليها ويلتقي الجميع على خدمة دين الله ولغة القرآن وخدمة المسلمين.

- رسالة القياس في اللغة العربية:

لنقرأ معًا مقدمة الإمام لذلك البحث الفريد فهي قطعة أدبية رائعة حيث يقول:

«الحمد لله الذي جعل العربية أشرف لسان وأنزل كتابه المحكم في أساليبها الحسان، والصلاة والسلام على أشرف العرب لهجة وأبلغها حجة وأقوم الدعاة إلى الحق محجة وعلى آله الأمجاد وصحبه الذين فتحوا البلاد ونشروا لغة التنزيل في الأغوار والإنجاد وحببوها إلى الأعجمين حتى استقامت ألسنتهم على النطق بالضاد.

أما بعد:

فكنت أيام دراستي لعلم العربية أمر على أحكام تختلف فيها آراء علمائه فيقصرها بعضهم على السَّماع ويراها آخرون في مواطن القياس وقد يحكي الكاتبون المذهبين دون أن يذكروا الأصول التي قام عليها الاختلاف، فأرى التمسك بمثل هذه الأقوال من المتابعة التي لا ترتاح إليها النفس ولا سيما حين أذكر أن كثيرًا من أصحاب هذه الأقوال قد تلقوا العربية وعلومها من كتب قد وضعنا أيدينا عليها أو على أمثالها.

وأخذت أقلب أوجه نظري إلى الأصول التي يراعونها في أحكام السماع والقياس، حتى ظفرت بقواعد وقفت على جانب منها في صريح كلامهم وألمحت بجانب آخر من طريق النظر في مجادلاتهم وأساليب استدلالهم.

ولما هاجرت إلى دمشق شرعت سنة 1335هـ في دراسة كتاب (مغني اللبيب) بحضور طائفة من أذكياء الطلاب (طلاب العلم) كنت أرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى الأصول المقررة أو المستنبطة التي اقترح عليَّ يومئذ أولو الجد منهم جمع هذه الأصول المفرقة ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة. فشكرت همتهم واستخدمت القلم في تحرير مطلبهم فألفت مقالات تشرح حقيقة القياس في اللغة العربية وتفصل شروطه وتدل على مواقعه وأحكامه.

ثم عدت منذ عهد قريب إلى تلك المقالات فرأيت جملا تحتاج إلى تهذيب وفصولاً تقول: هل من مزيد، فجردت القلم لتهذيبها وأضفت إلى تلك الفصول بعض ما يتسع له نطاقها وتكثر به فائدتها، بل عقدت فصولاً أخرى لمسائل من أمهات علوم العربية يتناولها موضوع القياس والسماع.

ولا أدعي أنني أخذت بمجامع هذا الموضوع الأسمى وبلغت في بحثه الأمد الأقصى، فإنه واسع المجال مترامي الأطراف، يمت إلى كل باب من أبواب العربية بصلة ويكاد ذكره يجري عند تحقيق كل مسألة إنما هي أقوال لبعض أئمة العربية انتقيتها وآراء خطرت على الفكر فتقبلتها.

ولثقتي بأن باعك – أيها القارئ – في علوم العربية غير قصير، ونصيبك من الإلمام بأبوابها ودرس مسائلها غير يسير لم أذهب في بسط القول وضرب الأمثلة مذهب من يسرف في مقام الاقتصاد ويشغل سمعك بما يشبه الحديث المعاد.

والله المستعان على بلوغ المرام والمستعاذ به من كبوة الفكر وفضول الكلام» أهـ محمد الخضر حسين.

ولسوف يتضمن هذا الموضوع الأبحاث التالية:

مقدمة في فضل اللغة العربية ومسايرتها للعلوم والمدنية – اللغة – أصل نشأة اللغة – تأثير الفكر في اللغة – تأثير اللغة في الفكر – هل يمكن اتحاد البشر في لغة؟ - اللغة العربية لا تموت – اللغة في عهد الجاهلية – تأثير الإسلام في اللغة – فضل اللغة العربية – الحاجة إلى مجمع لغوي – تمهيد في: هل تتوقف اللغة على السماع أو أن واضع اللغة أبقى طريق القياس مفتوحًا لإلحاق الكلم بأشباهها؟ - الحاجة إلى القياس في اللغة – أنواع القياس – وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات؟ - القياس الأصلي: ما يقاس عليه – القياس على الحديث الشريف – القياس على الشاذ – القياس على ما لا بد من تأويله بخلاف الظاهر – سبب اختلافهم في القياس – القياس في صيغ الكلام واشتقاقها:

المصادر: فَعْله – الإفعال – أفتعل – باب المغالبة – اسم الفاعل والصفة المشبهة – اسم المفعول – فعل التعجب وأفعل التفضيل – اسم الآلة – مفعلة – الاشتقاق – قياس التمثيل – قياس الشبه وقياس العلة – أقسام علة القياس – أقسام قياس العلة – شرط صحة قياس التمثيل – مباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي – القياس في الاتصال – القياس في الترتيب – القياس في الفصل – القياس في الحذف – القياس في موقع الإعراب – القياس في العوامل – القياس في شروط العمل – القياس في الأعلام – الكلمات غير القاموسية للأستاذ المغربي وجواب هذا الاقتراح.

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news