العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف / 11 :«قد فصلّنا الآيات لقوم يفقهون»

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:18

 

ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط، مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد. «الشاعر الألماني غوته» يُدهشني هذا الشاعر الكاتب الروائي الألماني، وسِرُّ دهشتي تكمن في إنصافه، وليس ذلك لأني مسلم وعربي وامتدح لغتي، بل لأنها الحقيقة التي أؤمن بها إيمانًا مُطلقًا، لذا ولأنه مُنصف فأنا اقتبس منه بعض الأحيان كمدخل للمقال للارتباط العضوي الذي يجمع فكرة المقال وقول جوته، نعم انسجام عجيب بين الروح والكلمة وهذه رسالتي التي نذرت نفسي لتبيانها، كنوع من العبادة أتقرب بها الى الذي جعل القرآن بهذه اللغة، ولإثبات الانسجام بين اللغة أو الكلمة والروح نُقدم اليوم طائفة من الكلمات التي تختزن بين حروفها فائضًا روحيًا ولغويًا، ومن العنوان نقتبس «الفقه» وما يترافق معها من «البصر، رؤية، النظر، العلم، المعرفة».

البصر: هو وقوع النظر على شخص أو شيء وهو من أعمال العين، «وإذ زاغت الأبصار» 10 الأحزاب، وقوله تعالى «فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم» 28 الأحقاف، وفي الآية 12 من سورة السجدة يقول تبارك وتعالى «ربنا أبصرنا وسمعنا» أما البصيرة فهي أعمال عقلية والتي ترد بالقرآن بلفظ قلبية «اجتماع وفيها العلم والمعرفة»، «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني...» 108 يوسف، وقوله تعالى «بل الإنسان على نفسه بصيرة» 14 القيامة، وقريب منها النظر فهو: البحث بين الأشياء من خلال العين لتحديد ما نريد، كالذي ينظر من بعيد لتحديد شخص ما، ويُحمل على التأمل والتفكر وذلك حسب السياق، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت...» 17 الغاشية، وفي مقام الله هي بمعنى الإحسان إليهم «ولا يُكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة» 77 آل عمران، والمعنى انه جلّ جلاله يمنع عنهم إحسانه جزاءً بما قدموا.

الرؤية: من الفعل «رأى» وهي أول ما يقع عليه النظر بعد أن كان غير موجود وغير ظاهر، ونجد تجليات هذا المعنى في الآية 26 من سورة مريم «فإما ترين من البشر من أحدٍ فقولي إني نذرت للرحمن صومًا» وقوله تعالى «ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس» فهذا رجاء وطلب إلى الله بأن يُظهر لهم المُضلين من الجن والإنس، ويقول الأصفهاني بأن الرؤية جاءت على أربعة وجوه: الأول بمعنى الرؤية بعضو العين وما يُسمى حاسة البصر، «لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين» 6-7 التكاثر، والمعنى الثاني التوهم والتخيل «ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا» 50 الأنفال أي بالتفكر، والثالث بمعنى العقل «إني أرى ما لا ترون» 48 الأنفال، ورابع الوجوه هو العلم كما في قوله تعالى «ولقد رآه نزلة أُخرى» 13 النجم، ويقول أهل اللغة أن الفعل رأى إذا تعدى لمفعولين فإنه يُفيد العلم، «ويرى الذين أوتوا العلم» 6 سبأ، والشاهد الثالث على معنى العلم، «إن ترنِ أنا أقل منك مالاً» 39 الكهف.

المعرفة: إدراك ما خفي من الشيء «ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم» 30 محمد، وقوله تعالى «... يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا...» 173 البقرة، وكما ورد في قوله تعالى «وإذا تُتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المُنكر...» 72 الحج، والشاهد الأخير «تعرف في وجوههم نضرة النعيم» 24 المطففين.

 العلم: إدراك المعنى الظاهر «يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا» 17 الروم، والولوج إلى أغوار المسائل العلمية يسمى فقهًا «قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون، حسم الفهم في تلك المسائل يحتاج إلى تعمق في المسائل الظاهرة، مثل الفقهاء في الدين وفقهاء الدستور وفقهاء القانون.

 تلك هي منظومة من الكلمات التي تسير بانسجام مع الروح لمن فقه وتدبر غورها واستشعر مضامينها التي تُنعشنا روحيًا، وتزيدنا قُربًا من كتاب الله ومن منظومته الأخلاقية، هذا ما عناه جوته بالانسجام بين الكلمة والروح، واستطيع ان أقول بأن الحالة الروحية هي الوليد الشرعي القادم من رحم الكلمة متى ما فقهناها كما أُريد لها من قِبل الباري عز وجل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news