العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الأشهر الحرم في الإسلام (1)

بقلم: د.علي أبو هاشم 

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:18

 

الإسلام دين الأمن والأمان والسلم والسلام، يدعو إلى حقن الدماء، وإلى نشر الأمن بين جميع أفراد المجتمع، من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان دون تمييز بينهم في كل زمان ومكان، ولتحقيق هذه الغاية العظيمة، فقد جعل الله تعالى السنة اثني عشر شهرا وجعل منها أربعة أشهر حُرم، لبسط الأمن ونشر السلام حيث يحرم فيها البغي بالقتل والعدوان وجعله من كبائر الذنوب والموبقات. يقول تعالى: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به». سورة البقرة:217. وذلك لتأكيد حرص الإسلام على أن ينعم الناس جميعا بالحياة الآمنة المستقرة، فيعمروا الأرض ويكثر الخير، وتهدأ النفوس، وتستتب حركة الحياة، لتحقيق الهدف والغاية التي من أجلها خلق الله تعالى الخلق. يقول تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أُريد منهم من رزق وما أُريد أن يُطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين». الذاريات/ 56-58. ولذا فقد عظم الله تعالى حُرمة الأشهر الحرم، وسجل حرمتها في القرآن الكريم، تُتلى آياته آناء الليل وأطراف النهار، تُذكر العباد بحرمة هذه الأشهر ومكانتها بين شهور العام. يقول تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ». التوبة: 36. وهذه الأشهر الحُرم منها ثلاث متواليات هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ورجب الفرد الذي يقع بين جمادى وشعبان. وحينما ندقق النظر نرى أن الأشهر الثلاثة الأولى منها ارتبطت بتحقيق الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج، ليأمن الحاج في ذهابه وعودته لأداء مناسك الحج على نفسه وأهله وماله، وبه تتحقق الاستطاعة من حيث سلامة وأمن الطريق ليتمكن الحاج من أداء المناسك، وأما شهر رجب فهو مقدمة وتمهيد لشهر رمضان، وليسهل أداء العمرة فيه على من كان قريبا من الحرم، يوضح هذا ما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم, الذي يرويه البخاري. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إن الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان. وإنما سُميت هذه الأشهر الأربعة بالأشهر الحرم لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، ولتحريم القتال والبغي والاعتداء فيها، وتسميه هذه الأشهر الأربعة بالحرم يشمل كل ما ذُكر. أي: يحرم فيها كل بغي واعتداء، كما تُعظم فيها الآثام من الذنوب والمنكرات، يُبين هذا قوله تعالى: «فلا تظلموا فيهن أنفسكم»، وحرمة الأشهر الحرم معلومة ومعروفة في الجاهلية قبل الإسلام، وقيل إنه من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام. حتى كان الرجل يلتقي بقاتل أبيه فلا يرفع عليه السلاح، تعظيما لحرمة تلك الأشهر الحرم، حتى كانت العرب تُعير بعضها بعضا إذا انتهكت الأشهر الحرم وتعتبرها نقيصة في حق من انتهك حرمتها، وجاء الإسلام فعظم حرمتها، وعظم الإثم فيها، كما عظم أعمال الخير والبر فيها. يقول تعالى: «فلا تظلموا فيهن أنفسكم». قال ابن عباس رضي الله عنهما: اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرمًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم. وقال كعب رضي الله عنه: اختار الله الزمان، فأحبه إلى الله الأشهر الحرم. وقال قتادة: إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله إنما تُعظم الأمور بما عظم الله به عند أهل الفهم وأهل العقل، والمؤمن الصادق هو الذي يعظم ما عظمه الله، فيعظم شعائر الله ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، ويبتعد عن كل ما يضره ويؤذيه من قول أو فعل، يسارع إلى الخيرات ويفعل الصالحات. والمسلم مطالب بتعظيم حرمات الله على الدوام، لكن تعظيمه لما حرًم الله في هذه الأشهر الحرم تكون أكثر تأكيدا، وأعظم اهتماما لتحقيق الغاية منها وهي: استقامته على منهج الإسلام في نشر الخير وإصلاح الحياة، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم, ذلك في خطبة الوداع فقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمع.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news