العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

إن لــــم تــقـطــعـــه قــطـعـــــك!!

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:15

شاء الله تعالى أن تكون الحياة الدنيا قصيرة وجعل العمل فيها والتعمير والإنتاج العلمي هو العملة التي تنفع العبد يوم لا ينفعه المال والجاه والسلطان والولد، فمن زرع في الدنيا وهو مؤمن حصد في الآخرة حسب ما زرع قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك 1-2)، وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) (الكهف 7-8).

إنها قواعد إلهية لا تتغير ولا تتبدل, ولذلك علم المصطفى صلى الله عليه وسلم المسلمين حسن إدارة الوقت وقال لهم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) متفق عليه.

فالصحة آلة الاستغلال الأمثل للوقت، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، لذلك كان من الهدي النبوي للمسلم (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك).

وقد نظم الله الوقت بطلوع الشمس وسيرانها وغروبها، ودخول الليل ثم معاودة طلوع الشمس بطريقة جبرية منظمة دقيقة للغاية، ومن توافق مع هذا النظام الكوني الدقيق فاز، ومن عانده مرض وشقي وضاع، وعندما علم المسلمون الأوائل ذلك أقاموا الدين وشيدوا الدولة، وفتحوا البلدان، وأخرجوا بفضل الله وبفضل ما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وشيدوا حضارة علمية إيمانية فريدة، وكان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في تفعيل الوقت فاجتهد طوال النهار في تبليغ الدعوة، ولقاء الوفود وتعليم أصحابه، ورد الشبهات عن الإسلام، والقيام بالواجبات الاجتماعية، وإقامة الفرائض المفروضة وكان في خدمة أهله ومتابعة الحركة الاقتصادية، وكان يقوم الكثير من الليل، وينام القليل منه، ويتابع الوحي وكتابة القرآن وتجهيز الجيوش، وحضور المعارك ويبرم العقود، ويرشد أمراء الجيوش ويكتب إلى الملوك والرؤساء والعظماء، وكان يلاطف الكبير والصغير وأثمر ذلك مدرسة إسلامية متميزة خرجت عظماء العالم من المسلمين الذين حملوا الدين وحافظوا عليه، وجمعوا القرآن والسنة، وفتحوا البلدان وشيدوا حضارة علمية خلقية فريدة في تاريخ البشرية في سنوات معدودة، فلم تضع لحيظة في غير المهم والمفيد، ولم تترك ساعة تمر من ليل أو نهار دون استثمار وفائدة فكان صلى الله عليه وسلم أسوة المسلمين ومعلمهم في فن إدارة الوقت، وانموذجًا يحتذى في حفظ الوقت وتنظيم الزمان والعمر، فكان حفظ الوقت واستثماره من أهم مقومات بناء الشخصية الإسلامية، ولم ينشغلوا بصغائر الأمور واهتموا بعظائمها.

وظل المسلمون في قوة ومنعة وتقدم بمداومتهم على اغتنام الوقت وتعمير الكون، وعندما أهملنا حُسن إدارة الوقت رأينا شعوبًا إسلامية تنام النهار وتستيقظ في الظهر وتظل طوال الليل في لهو وسمر فكانت النتيجة أن قطع سيف الوقت عزتهم وكرامتهم وقوتهم فأكلوا من زراعة غيرهم، ولبسوا من مصانع عدوهم، وتخلفوا عن ركب العلم والحضارة.

قال أمير الشعراء:

دقات قلب المرء قائلة له

 إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

 فالذكر للإنسان عمر ثاني

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في خلق المسلم: إن المسلم الحق يغالي الوقت مغالاة شديدة، لأن الوقت عمره، فإذا سمح بضياعه وترك العوادي تنهبه، فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش.

ويقول رحمه الله أيضًا: (الإسلام دين يعرف قيمة الوقت، ويقدر خطورة الزمن يؤكد الحكمة الغالية: (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك) ويجعل من دلائل الإسلام وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة ويسير على هداها. 

ويعتبر الذاهلين عن غدهم، الغارقين في حاضرهم المسحورين ببريق الدار العاجلة قومًا خاسرين سفهاء) انتهى.

لقد نظم الله تعالى للمسلمين وقتهم بنداء الله اكبر الله اكبر في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وكأن الأذان ساعة دقاقة تنبه الإنسان إلى نفاد الوقت، وأن ما فات من الوقت مات، والناجح من كان أحسن عملاً فيما فات، وأحسنهم عملاً فيما هو آت.

وقد فطن علماء المسلمين إلى هذه الحقيقة الكونية الشرعية المهمة والضرورية يقول الإمام السبكي عن ابن النفيس رحمهما الله: هذا الطبيب الرائد صنف كتابًا في الطب سماه الشامل لو تم لكان ثلاثمائة مجلد، تم منه ثمانون مجلدًا وكان فيها يملي تصانيفه من ذهنه.

وكان ابن النفيس رحمه الله إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية ويدبر وجهه إلى الحائط ويأخذ في التأليف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفي رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم «علو الهمة، محمد أحمد اسماعيل المقدم (ط1) (ص (201) (1999م)».

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: عن الوقت الذي يضيعه عليه الزوار: فلما كان الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه، بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعدت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت من المستفيد للقائهم قطع الكاغد (الورق) ويرى الأقلام، وحزم الدفاتر فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا نحتاج إلى فكر وحضور قلب فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي) (علو الهمة محمد اسماعيل المقدم (مرجع سابق) (ص200)).

وهكذا كان أثر حفظ الوقت وحسن إدارته على حياة المسلم، وقد أدى ذلك إلى إنتاج علمي عملي أسست عليه الحضارة الإسلامية الزاهرة التي أنارت الدنيا بالعلم والعمل النافع والأخلاق الإسلامية وقت كان الظلام يلف العالم ولقد قامت حضارة الغرب في الطب والفلك والرياضيات والعلوم على منتجات المسلمين في إسبانيا، وقد سرق معظم المشاهير في الغرب أفكار المسلمين العلمية ونسب ذلك إليهم، وعندما تخلينا عن تنمية الوقت وشغلنا الاستعمار وأعوانه بالأفلام الماجنة، والألعاب المسلية، وتركنا الجد والعمل وجلس شبابنا على المقاهي وفي النوادي، تخلفنا وتقدم العالم من حولنا ولا أمل في تقدمنا وعودتنا إلى سابق مجدنا إلاَّ بالجد والاجتهاد والأخذ بالعلم الكوني النافع مع العلم الشرعي، والبعد عن الاهتمام بالشكليات وسقاسف الأمور وحصر الدين في العبادات التعبدية وإخراج العلوم الكونية من العلوم النافعة الواجب تعلمها والدعوة إلى إهمالها وهذه هي السياسة التي وضعها لنا لويس التاسع، وجاء نابليون ليطبقها، وطبقها المعتمد البريطاني دنلوب ويقوم بتأكيدها من ارتمى في أحضان المستعمر من بني جلدتنا، الأمر جد خطير ومهلك وإن لم نفق قضي علينا وعلى أي أمل في عودتنا إلى الحياة.

«بناء الشخصية الإسلامية، نظمي خليل أبو العطا موسى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة: مصر (ط1) (ص137) (2013)».

والحمدلله رب العالمين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news