العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل يكون الماء وقود الحروب في المستقبل؟

بقلم: فريدريك لاسير

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:14

 

ظلت مسألة تقاسم الموارد المائية تغذي الصراعات وتشعل فتيل النزاعات بين الدول في مناطق عديدة من العالم على مدى العقود الماضية. اتخذت هذه المسألة أبعادا حساسة وخطيرة مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين في ظل النمو الديمغرافي الكبير الذي تشهده مناطق عديدة في العالم.

أدى التوسع العمراني والصناعي ونمو رقعة الأراضي الزراعية التي تعتمد على الري إلى زيادة الضغوط من أجل زيادة الانتاج الزراعي وتلبية احتياجات السكان في وقت باتت ترفع فيه دول عديدة شعار «الأمن الغذائي». 

لا يتوقف الأمر على هذا الحد إذ يجب ألا ننسى العوامل الثقافية والسياسية المتداخلة التي باتت تلعب اليوم دورا كبيرا في تأجيج الصراعات حول الذهب الأزرق؛ أي الموارد المائية في العالم. لذلك ظل الخبراء الاستشرافيون يحذرون في مختلف دراساتهم ومؤلفاتهم من أن حروب المستقبل ستكون حروبا مائية بامتياز في القرن الحادي والعشرين سواء ما بين الدول ذات السيادة أو ما بين الجماعات الاثنية والكيانات الاجتماعية أو السياسية في داخل الدولة الواحدة. إن تحليل مثل هذه الصراعات يظهر أن تسويتها تتطلب النجاح في تحديث الاندماج الاجتماعي والانصهار الثقافي والسياسي داخل الدولة الواحدة. 

تحذر هذه الدراسات من أن بعض المجتمعات البشرية تجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع مسألة ندرة أو شح الموارد المادية وهي الذهنية التي قد تؤدي إلى إشعال فتيل التناحر الاجتماعي والصراعات الداخلية والنزاعات والحروب التي قد تنشب بين الدول المتجاورة. 

تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الموارد المائية تتوافر بكثرة على وجه الكرة الأرضية غبر أن المعضلة تكمن في سوء التوزيع والافراط في الاستهلاك ومختلف الاعتبارات السياسية الأخرى. ففي سنة 2005 كان نصيب كل إنسان على وجه الأرض -نظريا- 6450 مترا مربعا، غير أن هذه الكمية «النظرية» ستنخفض إلى حدود 4800 متر مربع للفرد الواحد بحلول سنة 2025. 

إن هذه الحصة الافتراضية التي قد تبعث التفاؤل تخفي في حقيقة الأمر خللا حادا في توزيع الثروات بين أبناء البشر في كوكبنا. فالدراسات المتخصصة تظهر أن عشر دول فقط تسيطر على أكثر من 60% من المخزون العالمي من المياه العذبة تأتي على رأسها البرازيل وروسيا والصين وكندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. 

وعلى الرغم من أن هذه الدول التي أتينا على ذكرها تزخر بالموارد المائية فإنها تظل معرضة لكوارث جغرافية بسبب التغيرات المناخية الحادة التي بدأت آثارها تظهر في كثير من دول العالم، الأمر الذي جعلها تدق ناقوس الخطر. ففي داخل هذه الدول نفسها نجد أن بعض المناطق تزخر بالثروات المائية فيما تعاني مناطق أخرى قاحلة من شح في المصادر المائية، الأمر الذي يخلق خللا ويخلق توترات في داخل الدولة الواحدة. 

وعلى الرغم من أن البرازيل تزخر بالمياه الآتية من نهر الأمازون العملاق فإن بعض مناطق الشمال تعاني من صعوبة التزود بهذه المادة الطبيعية الحيوية. وفي الصين تزخر المناطق الجنوبية بالموارد المائية فيما تظل الأقاليم الشمالية تشكو نقصا كبيرا وصعوبة في التزود بالماء لأنها تعتبر مناطق قاحلة مقارنة بجنوب البلاد. 

يقول الخبراء إن من أهم المشاكل التي تعاني منها دول كثيرة في العالم في الوقت المعاصر تتمثل في عدم مواءمة الخريطة السكانية مع خريطة سقوط الأمطار. فعلى سبيل المثال، تحصل الصين على نسبة 7% من كمية الأمطار السنوية في المناطق الغربية غير أنها تمثل 21% من سكان العالم. أما البرازيل، وبفضل نهر الأمازون العملاق، فإن ثروتها المائية تمثل 15% من ثروة العالم من الذهب الأزرق رغم أن سكان البرازيل لا يمثلون سوى 0.3 من إجمالي سكان العالم. 

بدأت مظاهر الخلل تظهر على وجه الخصوص خلال القرن العشرين الماضي. فقد ظهرت فئة من الخبراء وراحت تعتبر أن «الطبيعية» قد أساءت توزيع المصادر المائية، الأمر الذي يحتم بناء سدود عملاقة وإطلاق مشاريع كبيرة حتى إن تطلب الأمر تحويل وجهة بعض الأنهار أو أفرعها عن مجاريها الطبيعية. اعتبر هؤلاء الخبراء أن هذه «الأخطاء الطبيعية» توجد خاصة في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي سابقا، إضافة إلى الصين ومصر وليبيا.

مع بداية القرن الحادي والعشرين ظهرت عدة مشاكل جراء تفاقم التغييرات المناخية والاحتباس الحراري، وهو ما أدى إلى تغيير قواعد الاستهلاك المائي في العالم. أظهرت أحدث الدراسة المختصة في هذا المجال أن ما بين 3 و5 مليارات نسمة من سكان العالم سيجدون صعوبة كبيرة في الحصول على الماء بالكميات الكافية، إذ إن نصيب الفرد سيكون دون مستوى 1700 متر مكعب في السنة (تقديرات رسمية صادرة عن منظمة الأمم المتحدة). 

اعتبر الكثير من الباحثين والأكاديميين أن حروب المستقبل لن تكون بالضرورة مائية، وهم يقولون إن العامل المائي لم يكن السبب الرئيسي في أي حرب نشبت في العالم حتى الآن. الدكتور توماس هومار ديكسن، الذي يدير برنامجا بحثيا أكاديميا للدراسات المتعلقة بالسلام والنزاعات العالمية بجامعة تورنتو، يؤكد بدوره أن الماء لم يكن أبدا السبب الرئيسي في نشوب الحروب في العالم، ومن ثم هو يتصدى لمدرسة أكاديمية أخرى من الباحثين الذين رسموا «صورة سوداء عن العالم ويعتبرون أن الحروب المستقبلية ستدور حول الماء». 

رغم ذلك يحذر هذا الأكاديمي البارز من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن تصاعد التوتر الناجم عن سوء توزيع الموارد المائية في الداخل والخارج، وهو ما قد يعطل جهود التنمية الاقتصادية ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي. يدعو هذا الباحث ايضا مختلف الدول إلى المبادرة بوضع خطط استراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى لاستشراف المستقبل ورفع التحديات والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية من أجل مواجهة نقص الموارد المتجددة وغير المتجددة جراء الأضرار التي لحقت بالنظام البيئي في العالم. 

أظهرت الدراسات العلمية ايضا أن تناقص الموارد المائية قد عاد بعواقب وخيمة على النظام الحيوي البيئي، وهو ما يؤدي إلى تدهور الأوضاع البيئية ويؤثر حتى على الاقتصاد وعلى الصحة العامة في المجتمعات. ففي شمال الصين على سبيل المثال أدى توسع المساحات الزراعية والتوسع العمراني والانفجار الديمغرافي إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات الطبيعية وتزايد استهلاك المياه، الأمر الذي بات يهدد باستنزاف حتى الطبقات المائية الجوفية، كما تسببت عوامل التعرية في الإضرار بنوعية الأراضي الزراعية بسبب انجراف التربة. فالمشاكل البيئية ليست معزولة وإنما تظهر تداعياتها على القطاعات الاقتصادية والصحية بصفة عامة. 

يعتبر البروفيسور ألكسندر وولف بدوره أن فكرة الحروب المائية المستقبلية قد تكون مبالغا فيها في بعض الدراسات والكتابات التي حولتها إلى أساطير، إلا أنه يشدد على الأهمية الكبيرة التي تكتسبها الموارد المائية التي تعتبر من أبرز عوامل الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الدول في مختلف مناطق العالم. 

يعتبر البروفيسور ألكسندر وولف أن المنطقة التي تعاني من شح في المصادر المائية ستعاني بالضرورة من تردي الأوضاع الصحية العامية وتدهور الأوضاع البيئية وتدني الانتاج الزراعي بما يهدد الأمن الغذائي، الأمر الذي سيؤدي إلى تدهور الاقتصاد وازدياد معدلات الفقر وازدياد التوترات السياسية الداخلية والخارجية. 

تحذر الدراسات السوسيولوجية والسياسية أيضا من أن تناقص الموارد المائية واتساع رقعة الفقر وغيرها من العوامل الأخرى هي التي تدفع سكان المناطق القروية إلى التخلي عن أراضيهم والنزوح إلى المدن بحثا عن مواطن العمل وفرص الرزق، وهو ما يخلق تشوهات وظواهر أخرى مثل البناء العشوائي وتفاقم معدلات الجريمة وغيرها من الافرازات الوخيمة الأخرى. 

لا شك أن مثل هذا السيناريو الأسود من شأنه أن ينبه الحكومات إلى التحديات الكبيرة التي ستواجهها جراء تفاقم معضلة تناقص الموارد المائية وتآكل النسيج المجتمعي، علما أن الحكومات قد تجد نفسها عاجزة عن توفير الأموال اللازمة لمواجهة هذه التحديات المتفاقمة. أظهرت الدراسات السوسيولوجية أيضا ارتباط ازدياد الفقر والبطالة في المدن بتفاقم أعمال العنف التي تؤدي بدورها إلى زيادة التهديدات الارهابية. هذا السيناريو القاتم حذر منه أيضا الأكاديمي الأمريكي البارز كابلان في حديثه عن «الفوضى القادمة».

آتلانتكو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news