العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

القوى العظمى وصناعة الذكاء

بقلم: أرتو بارثليمي 

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 11:12

 

اتسعت رقعة الحرب التجارية الضروس ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لتشمل مجال الذكاء الاصطناعي، حيث احتدمت المنافسة ما بين القوتين الاقتصاديتين العظميين مع وجود عدة دول أخرى أثبتت قدراتها في هذا المجال الواعد، مثل فرنسا وإسرائيل وألمانيا واليابان وغيرها من البلدان الأخرى التي استطاعت أن تجد لها موطئ قدم على خريطة الذكاء الاصطناعي في العالم. 

رغم الطفرات التي حققتها بعض الدول في هذا القطاع المهم، فإن مجال الذكاء الاصطناعي يظل غامض المعالم وغير معروف لدى كثير من الناس؛ لأنه قطاع حديث نسبيا وقد حقق طفرة كبيرة نتيجة تطور قطاعات أخرى. أما السبب الآخر فهو يتعلق بالطبيعة المعقدة التي تغلب على صناعة الذكاء الاصطناعي. 

في كثير من الأحيان يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل خاطئ يجانب الصواب، على عكس بعض المفاهيم الأخرى التي بدأت تجد طريقها إلى عامة الناس وتصبح شائعة، مثل «التكنولوجيا الرقمية». يقول العلماء ان الذكاء الاصطناعي في مفهومه الدقيق يشمل جملة من الخصائص التي تتسم بها البرامج الحاسوبية، ما يجعلها قادرة على أن تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. من أهم هذه الخاصيات القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، ومن ثم الاستفادة من نتائج القرارات التي يتم اتخاذها عبر أسلوب التعلم الذاتي بعد إنجاز العمل وتقييم نتائجه. 

يقول العلماء في هذا الصدد متحدثين عن مفهوم «الذكاء الاصطناعي» ان الماكينات تتعلم بسرعة غير أنها تتعلم بشكل سيئ. لذلك لا تزال هذه الماكينات التي تتمتع بالذكاء الاصطناعي غير قادرة على إنجاز عديد المهام التي يتقنها الدماغ البشري، غير أن قدرة هذه الأجهزة ذات الذكاء الصناعي تتطور بشكل مذهل وتحقق طفرات غير مسبوقة. 

يقول الخبراء ان صناعة الذكاء الاصطناعي ستقوض الكثير من الأنشطة وتقضي على الكثير من الوظائف، سواء تعلق الأمر بالصحة أو بالتعليم أو بقطاع المال أو الأعمال. هذا الرهان الكبير هو اليوم الذي يؤجج الصراع ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين من أجل الزعامة العالمية. هل يمكن لأوروبا عامة، وألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص أن تحافظ على قدرتها على الابتكار، وخاصة استقلاليتها التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يكتسي أهمية مركزية في القرن الحادي والعشرين. 

في الوقت الراهن تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية والصين على سوق الذكاء الاصطناعي في العالم، وتأتي بعدهما مباشرة إسرائيل ثم المملكة المتحدة في مرتبة متأخرة وفرنسا وألمانيا. 

تظهر أحدث الأرقام الإحصائية أنه يوجد في العالم اليوم ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مشروع ستارت أب في مجال صناعة الذكاء، 1400 منها في الولايات المتحدة الأمريكية و400 في الصين و360 في دولة صغيرة مثل إسرائيل و250 في المملكة المتحدة و110 في فرنسا ومثلها بجاراتها في العالم. 

يقوم الذكاء الصناعي على بناء منظومة إقليمية حول كبرى المدن في العالم والتي تحتضن أشهر الجامعات وكبرى الشركات التكنولوجية في العالم أيضا. إلى حدود يوم 22 أغسطس 2019 يوجد في الصين عشرة مراكز كبرى في العالم من هذا القبيل، وهي متخصصة في مجال تطوير الذكاء الصناعي مثل بكين وشنجهاي وشنزهن.

يوجد مركز واحد في كامل القارة الأوروبية وقد فتح أبوابه في لندن، بالمملكة المتحدة. لا شك أن هذا النجاح الصيني ينبع أساسا من وجود إرادة سياسية قوية في هذا المجال. 

في شهر يوليو من سنة 2017 نشرت سلطات بكين ما أسمته «الخطة القومية لتنمية الذكاء الاصطناعي» وهي تقوم على هدفين استراتيجيين اثنين. يتمثل الهدف الأولى في الارتقاء بالصين إلى مصاف الدول الأكثر تطورا في العالم، في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية من دون أن تتم الاشارة إليها، في مجال صناعة الذكاء وذلك بحلول سنة 2020. أما الهدف الثاني فهو يتمثل في العمل الدؤوب على أن تصبح الصين المركز الأول في العالم في مجال الذكاء الصناعي بحلول سنة 2030. 

ترافقت هذه الاستراتيجية الطموحة التي وضعتها سلطات بكين مع ازدياد اهتمام الصينيين بالتخصص في مجال الذكاء الصناعي. خطت الصين منذ ذلك الوقت خطوات عملاقة حتى باتت اليوم تعتبر الدولة الوحيدة، مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحتضن الشركات التكنولوجية العملاقة مثل «تنسنت» و«علي بابا» و«بايت دجانس» و«بايدو» وغيرها من الشركات العملاقة التي تضخ استثمارات ضخمة في مجال الذكاء الصناعي. 

في الفترة ما بين سنتي 2013 و 2017 ازداد عدد براءات الاختراع في مجال صناعة الذكاء في الصين بوتيرة فاقت عدد براءات الاختراع في هذا القطاع المعقد في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تظل تحتل الصدارة إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.

في الصين لا توجد حماية كبيرة للمعطيات الشخصية، وهو ما ساعد سلطات بكين على بناء قاعدة ضخمة من البيانات التي تستخدم في تغذية وتطوير محركات صناعة الذكاء في البلاد. 

إلى جانب الشركات المتخصصة في صناعة الذكاء ازداد أيضا عدد مشاريع الستارت أب المدعومة بقوة من السلطات المحلية في الصين في إطار المنافسة الشرسة مع الولايات المتحدة الأمريكية. لا تزال الصين أبعد ما يكون عن كسب هذا الرهان وافتكاك المشعل من الولايات المتحدة الأمريكية التي تظل تهيمن على العالم وتتبوأ الصدارة بفضل شركاتها العملاقة مثل شركة أمازون التي استثمرت سنة 2017 ما لا يقل عن 16 مليار دولار في مقابل مبلغ 14 مليار دولار استثمرته شركة غوغل. 

استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية أيضا على أهم الكفاءات العالمية ووضعت يدها على أكثر من 40 شركة واعدة في هذا المجال عبر أنحاء العالم في الفترة ما بين سنتي 2010 و2018. 

في سياق الحرب الضروس ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في هذا القطاع الاستراتيجي أصبحت الشركات المتخصصة في مجال صناعة الذكاء تختار ما بين واشنطن وبكين سواء في أسواقها أو في نظمها المرجعية، علما أن الشركات الاسرائيلية والأوروبية والكندية وغيرها من الدول الغربية لا تزال تفضل السوق الأمريكية التي تتمتع بجاذبية أكبر حاضنة لصناعة الذكاء في العالم. 

فقد تصاعدت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في الأيام الماضية، مع إصدار كل طرف قرارات بفرض رسوم جمركية جديدة على بضائع الآخر في إطار الفعل ورد الفعل. 

أثارت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ولا يزال هناك سيل من التساؤلات والمخاوف حول تداعياتها على بقية دول العالم، وخاصة تلك التي تعتبر حليفة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية مع ارتباطها بعلاقات اقتصادية وتجارية متنامية مع الصين.

تعتبر الروبوتات الذكية آخر ما يدخل ساحات الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تدرس فرض ضوابط صارمة على تصدير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لضمان الريادة مع تزايد المنافسة الصينية.

ذلك ما أكدته أيضا صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية التي ذكرت أن إدارة الرئيس الأمريكي مقررة العزم على فرض قيود على الصادرات من التقنيات المتقدمة التي تتراوح بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات وإيجاد وسائل جديدة لحماية الريادة الأمريكية في الابتكار من المنافسة الصينية، غير أن أصواتا تحذر من أن مثل هذه القيود من شأنها أن تعود بنتائج عكسية وتدمر سليكون فالي، معقل التكنولوجيا المتطورة في الولايات المتحدة الأمريكية.

في هذا الإطار بالذات، أدرجت وزارة التجارة جميع المنتجات التي قد تخضع لقيود التصدير. وشملت هذه العناصر علم الجينوم، أحد أفرع علم الوراثة المتعلق بدراسة المادة الوراثية داخل مختلف الكائنات الحية، ورؤية الكمبيوتر وتكنولوجيا التلاعب الصوتي، وتكنولوجيا المعالجات الدقيقة، والحوسبة الكمومية، والواجهات بين العقل والجهاز وخوارزميات التحكم في الطيران.

في الحقيقة، لا تزال الصين تعاني من عديد النقائص والعراقيل في مجال صناعة الذكاء أكثر منها في قطاعات اقتصادية وتقنية أخرى، مثل تدني جاذبيتها على الساحة العالمية. تدور المعركة الشرسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين من أجل السيطرة على صناعة الذكاء الصناعي. في الواقع من أجل السيطرة على صناعة الذكاء هي في الحقيقة معركة من أجل استقطاب الذكاء البشري. 

يظل عدد الطلاب الأجانب في الجامعات الصينية محدودا، وكذلك الأمر بالنسبة للمهندسين من ذوي الصيت العالمي، الذين يفضلون في أغلبيتهم الساحقة الاستقرار في الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عوضا عن الاستقرار في الصين رغم أنها تمثل سوقا مستقبلية هائلة وواعدة. على سبيل المثال نجد أن نشاط شركات الانترنت الصينية ينحصر داخل الصين أو بعض الدول الآسيوية فقط. 

لا شك أن الصين قد حققت نجاحات كبيرة لا يمكن لأي أحد أن ينكرها بحكم ضخامة سوقها الداخلية غير أن هذه النجاحات تظل منحصرة في الخدمات المقدمة للمستهلكين، وهي نجاحات تكاد تكون نادرة في مجال خدمات الشركات. 

يتعين على الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا أن تعمل بدورها على استقطاب الكفاءات العالمية، وهو ما تقوم به في الحقيقة المملكة المتحدة بكل نجاح أفضل من أي دولة أوروبية أخرى. لا بد أن نقول أيضا ان الفضل في نجاح لندن يعود إلى وجود الفرع الأوروبي لشركة غوغل في المملكة المتحدة. 

في ظل التهديدات المتبادلة بين أمريكا والصين بفرض رسوم جمركية متبادلة على البضائع، تباطأ نسق نمو الطلب العالمي على النفط بأكبر نسبة وذلك منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، ناهيك عن أن وكالة الطاقة الدولية المسؤولة عن مؤشرات النمو الطاقي قد أكدت ذلك الأسبوع الماضي، فيما تجلت نتائج تصاعد الحرب التجارية بشكل واضح على الصين، حيث انخفض نمو ناتجها الصناعي إلى أدنى مستوى له في أكثر من 17 عاما.

لكن ماذا عن موقع بقية الدول الغربية، وخاصة منها الأوروبية الرئيسية، أي فرنسا وألمانيا بريطانيا، من هذه المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في مجال الذكاء الاصطناعي؟ 

في شهر مارس 2017 كشفت فرنسا على سبيل المثال عن خطتها الاستراتيجية لتصوير صناعة الذكاء في البلاد، كما أن تقرير فيلاني حدد قدرات ومقومات الدولة الفرنسية في هذا المجال. هناك ثلة من الخبراء والعلماء الفرنسيين الذين يعتبرون من أفضل المختصين في الذكاء الصناعي في العالم، إضافة إلى جودة التعليم الجامعي ومدارس الهندسة بمختلف أنواعها وهي تقدم برامج متطورة لتعليم الذكاء الصناعي. 

لا يخفى على أحد أن القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ظلت على مدى العقود الماضية تخوض حربا على المواهب والأدمغة العلمية، وقد ازدادت هذه الحرب ضراوة بعد ظهور صناعة الذكاء وانتشارها في الغرب على وجه الخصوص. 

تُرى إلى أين ستقود الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين العالم المتقدم والنامي؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news