العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ما هي الخطة الإسرائيلية الـراهـنة تـجاه «الـمـسجد الأقصى»؟

بقلم : د. أسعد عبدالرحمن

الجمعة ٣٠ ٢٠١٩ - 01:00

تأتي الذكرى الخمسون لجريمة إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969 فيما تشهد ساحات المسجد الأقصى مواجهات شبه يومية بين المصلين وقوات الأمن الإسرائيلية التي عادة ما ترافق قطعان اليهود المتطرفين الذين ينسلون إليه من كل حدب وصوب معيثين فيه فسادا وتخريبا. ولقد باتت هذه الاقتحامات والانتهاكات شبه يومية وترتفع وتيرتها بهذه الأعداد الكبيرة المقلقة مع مواسم الأعياد الإسلامية بقوة تحركات أحزاب ومنظمات توراتية استعمارية/«استيطانية» متنامية، وبقرار سياسي ودعم مباشر من الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نتنياهو الذي يبدو انه يلعب بالنار على طريقة سلفه -سيئ الذكر- شارون في عام 2000 لخدمة أجندات اليمين التوراتي الفاشي، إضافة إلى رغبته في تقديم المزيد من القرابين على مذبح انتخاباته العتيدة وتحويل النظر عن فضائحه الشخصية والعائلية، ووضع ورقة القدس في إطار المراهنات والمزايدات والاستثمار السياسي للأحزاب اليمينية، في أعقاب فشله في تشكيل الحكومة وحل الكنيست؛ في خطوة تهدف إلى تغيير الوضع الراهن، الذي -حتى عام 2000- كان يمنع -على سبيل المثال- أي إنسان من دخول المسجد الأقصى إلا بإذن من الأوقاف وحراس المسجد، مثلما كان يمنع دخول جولات سياحية خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، في منحى خطير ينذر بعواقب وخيمة ويؤشر على مرحلة في غاية الخطورة.

تشتمل هذه المواجهات على اقتحامات وانتهاكات لحرمة الأماكن المقدسة الإسلامية (والمسيحية) واعتداءات على المصلين والمعتكفين الآمنين في المسجد الأقصى من نساء وشيوخ وأطفال ومنعهم من أداء فرائضهم الدينية وملاحقتهم داخل المسجد وإلقاء قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي واعتقال بعضهم كما حدث في عدوان جيش الاحتلال الدموي على عشرات آلاف المصلين في المسجد الأقصى المبارك ورحابه بعد صلاة عيد الأضحى مؤخرا، وقبلها داخل المصلى القبلي والمرواني في رمضان، وضرب الحراس وعدم السماح بإسعافهم، وذلك كله بحماية القوات الخاصة وحرس الحدود والشرطة المدججين بالأسلحة، وإغلاق المسجد القبلي بالسلاسل الحديدية وإدخال المئات من عصابات «المستوطنين» إلى ساحاته، والذين قاموا باستفزاز المصلين بأساليب مختلفة كالغناء والرقص الماجنين.

هذه الاعتداءات والاقتحامات الممنهجة لقوات الاحتلال وقطعان «المستوطنين» التي تجيء ضمن مقارفاتهم بالاعتداء على «أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين» وهويته الإسلامية التي مهد ويمهد لها الاحتلال من خلال حملة اعتقالات متكاثرة في صفوف المقدسيين؛ فيها تجاوز لكل الخطوط الحمراء، وتشكل استفزازا علنيا لمشاعر ملايين المسلمين في فلسطين والعالم، كما تشكل تحديا للقوانين الدولية، فضلاً عن كونها تكرس في الوقت ذاته نموذجا صارخا لطبيعة الاحتلال الإسرائيلي القائمة على التمييز العنصري واللجوء إلى القوة وسفك الدماء في تحقيق الأهداف الاستعمارية للمشروع الإسرائيلي، بما في ذلك الضغط على أبناء مدينة القدس لمغادرتها، وإخلائها من سكانها الفلسطينيين، وزرع العوائق أمام المصلين القادمين من أنحاء المناطق الفلسطينية إلى المسجد الأقصى، في سياق المشروع الإسرائيلي التلمودي بتهويد مدينة القدس.

اليوم، وفي هذه المرحلة، نحن لا نعتقد أن حكومة إسرائيل (وطبعا على عكس بعض وزراء وأحزاب ومنظمات اليمين التلمودي الفاشي) هي بصدد السماح بتدمير الأقصى حرقا أو نسفا أو قصفا. وهذا الموقف الإسرائيلي ليس «كرما» منهم وإنما لأن «الظروف لم تنضج بعد» من وجهة نظر حساباتهم السياسية. فالعالم الإسلامي -ومعه العربي- على ضعفهما (وربما تخاذلهما) لا يزال فيهما بقية من روح لن تسمح بحلول قصوى من هذا النوع. وكذلك الحال مع غالبية دول العالم والرأي العام الدولي والمؤسسات والمنظمات الدولية. ثم إن جهود (27) جمعية يهودية، تعمل بدعم من (6) وزارات إسرائيلية من أجل بناء «الهيكل الثالث» على حساب المسجد الأقصى وقبة الصخرة (ومن أبرز الناشطين وزير الزراعة المستوطن أوري أرئيل، كما أكدت جمعية «عيم عميم» الإسرائيلية في تحقيق أنجزته قبل خمس سنوات) لم تصل به حد تجاوز الظروف الراهنة الآنفة الذكر.

وبناء عليه، نعتقد أن كل ما عرضنا له من تحركات وجهود ومقارفات أعلاه إنما يأتي في إطار العمل على فرض التقسيم الزماني والمكاني على المسجد الأقصى؛ تمهيدا للسيطرة عليه وتهويده كما حصل مع الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل وفرض أمر واقع جديد... كمرحلة أولى، تليها -إن لم يتدارك المسلمون والعرب والعالم الأمر- مرحلة قد تجهز على كامل القدس الشرقية بما في ذلك البلدة القديمة بجميع جوامعها وكنائسها.

فحذار، ثم حذار، إنهم يسعون، في نهاية المطاف، إلى تهويد المسجد الأقصى بكامله... رغم كفاحات وبطولات أبناء شعبنا المقاوم المرابط الذين سطروا أروع معاني الصمود والكبرياء برفضهم الانصياع للضغوط الإسرائيلية، وتحديهم إجراءات سلطات الاحتلال، ودفاعهم المستميت عن أرضهم ومقدساتهم، وتوجيههم ابلغ الرسائل إلى العالم وإلى الإدارة الأميركية ورئيسها ترامب، بأن اعترافهم بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال لن ينجح. ذلك أن المسجد الأقصى، بمكانته لدى مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، هو ملك خالص للمسلمين وحدهم، وغير قابل للمشاركة ولا التقسيم، وأي انتهاك لحرمته هو استخفاف واعتداء على مشاعر المسلمين في العالم أجمع وليس في فلسطين وحدها، بل هو استهتار صارخ بقرارات القمة الإسلامية الأخيرة التي لم يجف حبرها بعد، تلك القمة التي تركت الحصانين الأردني والفلسطيني في سباق إنقاذ المسجد الأقصى... وحيدين!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news