العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٢ - السبت ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التكنولوجيا المالية.. تأملات في الحاضر وتوقعات المستقبل (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ٢٩ ٢٠١٩ - 01:00

على الرغم من ان تبني المنتجات التكنولوجية للثورة الصناعية الرابعة يعد متأخرا في المجال المالي مقارنة بمجالات الإعلام أو التجارة أو الاتصالات. الا ان التكنولوجيا المالية بعد ان تعافى العالم إلى حد ما من اسوء تداعيات الازمة المالية العالمية2008م، اصبحت إحدى أهم القضايا التي تشغل المجتمع المالي والمصرفي العالمي سواء من حيث المنافع التي توفّرها، أو بالنسبة للمخاطر التي تنتج عنها، فلم تعد التكنولوجيا المالية مجرد أساليب تقنية لتطوير الأداء المالي والمصرفي، كخيار تقني بين خيارات أخرى تملك الدول والقطاع المالي والمصرفي الحرية في اعتمادها من عدمه، بل أصبحت ضرورة لا مناص منها لاستمرار وجود ونمو القطاع المالي والمصرفي، وعنصرا مهمًّا من عناصر البيئة التنافسية التي تواجهها، وهي تحول وجوبي لا بد منه، يستوجب إعادة شاملة للهندسة المالية والمصرفية في مختلف دول العالم، وتغييرا جوهريا في وسائلها وآلياتها عبر التحول إلى الأنظمة والمنصات الرقمية التكنولوجية، والريبوتات، لتطوير أعمالها لمواكبة المعطيات التقنية المتسارعة للثورة الصناعية الرابعة، فضلا عن إيجاد البيئة التشريعية والرقابية المناسبة لها؛ أي أنها منعطف جديد للنظم المالية والمصرفية في العالم، يمتد بآثاره وعلاقاته الخلفية والأمامية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية واللوجستية والتعليمية والاجتماعية. فقد انطلقت شركات التكنولوجيا المالية الناشئة لتنتشر في اغلب دول العالم ويتوقع انها خلال الفترة القادمة حتى عام2030م ستهيمن على المشهد المالي والمصرفي العالمي، وتقدم نمطا جديدًا ومختلفًا للخدمات المالية، واسلوبا جديدا في التعامل مع العملاء والمستثمرين، حتى امكن القول انها وضعت الاقتصاد والبنوك على مختلف انواعها امام عصر جديد هو عصر التكنولوجيا المالية، عصر حافل بالتحديات والفرص على حد سواء. ابرز مظاهره شركات مالية خاصة ناشئة تعتمد احدث البرامجيات والمبتكرات التكنولوجية، وتحركه قوى الرقمنة العالمية والتقدم التكنولوجي التي تعيد صياغة العديد من جوانب اقتصادات العالم ومجتمعاته.

وهنا، نحاول ان نعرف القارئ بتفاصيل ومتضمنات التكنولوجيا المالية وتأثيرها على التنمية المستدامة والمجتمع والقطاع المالي والمصرفي، وموقف الدول والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية منها. وسنركز في تحليلنا على تأثيراتها القائمة والمحتملة على دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها مراكز مالية واقتصادية ناهضة. نوضح في هذا المقال العوامل التي دفعت بالحكومات وبنوكها المركزية في مختلف دول العالم إلى الاهتمام بالتكنولوجيا المالية والسعي إلى توطين شركاتها في بلادهم، فقد ادركت تلكم الدول ان التكنولوجيا المالية يمكن ان تحقق الشمول المالي، والذي يقصد به إمكانية حصول شرائح واسعة من المجتمع على الخدمات المالية، حيث يوجد اعداد كبيرة من السكان تفتقر إلى الحسابات المصرفية لأسباب عدة، مثل الفقر، والجهل المالي، وصعوبة وصول الخدمات المصرفية إلى المناطق الريفية، بالإضافة إلى انتشار الاقتصاد غير الرسمي. فيما يرى البنك الدولي ان الشمول المالي يعني: أن الأفراد والشركات لديهم إمكانية الوصول إلى منتجات وخدمات مالية مفيدة وبأسعار مناسبة تلبي احتياجاتهم (معاملات ومدفوعات ومنتجات ادخار وتسهيلات ائتمانية وقروض وخدمات تأمين)، ويتم تقديمها على نحو مسؤول ومستدام، وعليه وبسبب انتشار الوسائل التي تعتمدها التكنولوجيا المالية وخاصة الهاتف المحمول وشبكات الانترنيت بشكل اكبر واسرع من انتشار الخدمات المصرفية عبر الفروع والشبكات المصرفية التقليدية، يتاح امكانية تحقق الشمول المالي والذي هو هدف تسعى الدول الأعضاء في البنك الدولي إلى الوصول اليه، لما له من دور ايجابي في توسيع قاعدة الاستثمارات الصغيرة ومتناهية الصغر، وبالتالي الحد من الفقر والبطالة. والعامل الاخر الذي يدفع الحكومات إلى تشجيع التكنولوجيا المالية يتمثل بتحقيق وفورات المنافسة، منطلقين من ان التأثير الإيجابي المحتمل بسبب تزايد المنافسة، الناجم عن دخول لاعبين جدد ينافسون البنوك القائمة ويؤدي إلى تقسيم سوق الخدمات المصرفية، وتقليل المخاطر النظامية المرتبطة بالمصارف الكبيرة، والى التعاون بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية الناشئة، حيث يتصرف عدد قليل من شركات التكنولوجيا المالية الناشئة على أنها منافس مباشر للبنوك، في حين تسعى اغلب شركات التكنولوجيا المالية الناشئة إلى الشراكة معها. وهذه الشراكة يمكن أن تستفيد منها البنوك التي تسعى لأن تصبح أكثر استجابة لاحتياجات العملاء المتغيرة واكثر مواكبة للتكنولوجيا الصاعدة، وبالتالي اكثر اسهاما في تمويل الفرص الاستثمارية ولا سيما التي تتميز بالإبداع والابتكار بما ينعكس ايجابا على النمو الاقتصادي في البلاد. بالإضافة إلى ان التكنولوجيا المالية تسهم في تحقيق الاستقرار المالي بتخفيض تكاليف التشغيل في البنوك وتسهيل تحليل البيانات الضخمة لأغراض إدارة المخاطر وكشف الاحتيال. كما تؤدي التكنولوجيا المالية التي تستند إلى سلة واسعة من البيانات الدقيقة دور مهم في تسهيل الامتثال للقواعد التنظيمية، ولا سيما مع انتقال البلدان من مرحلة تحسين القواعد التنظيمية لمكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب إلى مرحلة تنفيذها، ذلك من خلال ما يسمى بالتكنولوجيا الرقابية (Regetech) اذ إنّ استخدام التكنولوجيا المالية يُمكن من تحسين عمليات الامتثال في المصارف والمؤسسات المالية. فضلا عن تيسير رفع كفاءة تحصيل الايرادات وأداء المدفوعات الحكومية، والحد من الاحتيال. وحيث إن الدفع والاقتراض يمكن ان يتم باستخدام الهواتف المحمولة، مع وضع القواعد التنظيمية الملائمة، فإن ذلك يمكن أن يساعد في تخفيض نسبة السكان الذين ليست لديهم حسابات مصرفية، كما أن التكنولوجيا المالية توفر مصادر بديلة لتمويل الاسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال منصات الاقراض المتوافرة في السوق مثل الاقراض بين النظراء وتمويل التجارة عبر الإنترنت، كما معمول به في الصين والمملكة المتحدة، وعلاوة على ذلك فإن التكنولوجيا المالية يمكن أن تساعد على زيادة الاقراض المصرفي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بتطبيق الوسائل التكنولوجية التي تحد من عدم اتساق المعلومات مثل تحليل البيانات الضخمة وكذلك توفير خدمة فائقة في حفظ سجلات الضمانات باستخدام تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة، فضلا عن ان الدفع بالوسائل الرقمية يفتح مسارا للبيانات يتيح للمقرضين فرصة تقييم الجدارة الائتمانية حتى للمؤسسات متناهية الصغر. وبالتالي يمكن للتكنولوجيا المالية تحفيز التنوع الاقتصادي والنمو المنشئ لفرص العمل من خلال تحسين فرص الحصول على التمويل، مما يتجاوز أحد أهم معوقات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وغيرها من العوامل التي تدفع الحكومات للاهتمام بالتكنولوجيا المالية. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news