العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

من العولمة إلى التفكك الاقتصادي العالمي

بقلم: رينو جيرارد

الأربعاء ٢٨ ٢٠١٩ - 08:50

 

أين نحن من ذلك العصر الذي كان فيه الجميع  يتحدثون عن العولمة الاقتصادية التي ستسقط الحدود بين الدول وتحقق الرخاء للجميع وتحول العالم الرحب والكبير إلى قرية صغيرة، جميلة ومتشابكة المصالح؟ 

نحن نشهد اليوم تزايد مظاهر تفكك الاقتصاد العالمي، وقد ازدادت إرهاصات هذا التفكك الذي لا تخطئه عين. فبالأمس جر بوريس جونسون ومن لف لفه بريطانيا الى الخروج من الاتحاد الأوروبي فيما يعرف اختصارا باسم «البريكست». بالامس أيضا عزز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من السياسة الاقتصادية الحمائية التي باتت تنتهجها بلاده تحت شعار «أمريكا أولا»، وقد يتضمن أيضا بين طياته شعار «أمريكا أولا وأخيرا» أيضا. 

لم يقف الأمر عند هذا الحد. فقد عمد رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي بدوره إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية عقابية ضد كوريا الجنوبية وذلك عقب الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في سيئول يثبت الحكم الذي صدر سابقا بإدانة الشركات اليابانية وتقديم تعويضات لضحايا العمل الاجباري خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945). 

يوم 4 يوليو 2016، فرضت اليابان قيودا على تصدير ثلاث مواد حساسة تستخدمها الشركات المختصة في كوريا الجنوبية في إنتاج الرقائق الإلكترونية الفائقة التطور والشاشات المسطحة علما وأن كوريا الجنوبية قد فرضت نفسها بكل كفاءة واقتدار كأكبر مصنع في هذا المجال الحيوي المهم في العالم. 

فرضت سلطات طوكيو هذا الحظر الجزئي على تصدير كل من هذه المواد الصناعية الحيوية غير أن هذا الإجراء العقابي قد يسير على اليابان نفسها ويعود عليها بعواقب وخيمة ويلحق الضرر بالتالي بالاقتصاد الياباني، علما ان كوريا الجنوبية تعتبر من أهم شركاء اليابان الاقتصاديين.

تعتبر الحكومة في طوكيو أن الاتفاقية المبرمة في سنة 1965 ما بين اليابان وكوريا الجنوبية قد أغلقت نهائيا ملف المسائل المتعلقة بالتعويضات عن فترة الاحتلال الياباني لكوريا (1905-1945). أما المجتمع المدني في كوريا الجنوبية فهو لا يزال يتحرك بكل قوة من أجل إقرار العدالة للنساء الكوريات اللائي أجبرن على البغاء خلال فترة الاحتلال الياباني لكوريا الجنوبية والتي امتدت أربعين سنة كاملة. 

لم تكن العلاقات بين اليابانيين والكوريين سهلة على مر التاريخ، حتى في العصر الحديث الراهن، الذي يرتبط فيه البلدان بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية. تعتبر هذه هي المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تسمح فيها الحكومة اليابانية للمسائل السياسية بالتدخل في ملف التعاون الاقتصادي. 

يجب ألا نقلل من رمزية ومغزى الخطورة التي أقدم عليها رئيس الوزراء الياباني. فهو يبعث برسالة واضحة بأن اليابان معنية أيضا بكل ما يعلق بقوميتها وأنه لن يتواني عن اتخاذ أي قرار من أجل إعلائها والذود عنها وأن الاعتبارات القومية تعلو أحيانا فوق لغة المصالح الاقتصادية القصيرة والمتوسطة المدى - علما أن مثل هذه العبثية القومية نجدها تتكرر في عديد من الدول الآسيوية. 

بدأت إرهاصات التفكك الاقتصادي العالمي تظهر منذ سنة 2016 في العالم الأنجلوساكسوني الذي يعتبر منظر التبادل الحر والليبرالية الاقتصادية قبل أن تبدأ في الانتشار لتشمل عدة دول ومناطق أخرى من العالم. 

في سنة 2017 اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب قرار يقضي بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية الشراكة آسيا-المحيط الهادي، والتي ابرمت في عهد سلفه الديمقراطي باراك أوباما، كما أن هذه الاتفاقية لا تشمل الصين التي تعتبر منافسا اقتصاديا وتجاريا للولايات المتحدة الأمريكية. 

يذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أعادت في شهر أكتوبر من سنة 1947 إحياء عقيدة التبادل الحر والتي تعتبر من ركائز وأركان الفكر الاقتصادي الليبرالي والرأسمالي. تجلى ذلك من خلال اتفاق «الجات» التي تنظيم مسألة الرسوم الديوانية والمبادلات التجارية وهي التي قامت على أساسها بعد ذلك منظمة التجارة العالمية. 

شهدت أوروبا في سنوات التسعينيات من القرن العشرين الماضي إعادة توحيد الألمانيتين بعد نهاية الحرب الباردة، وقد تمت إعادة توحيد شطري ألمانيا تحت راية الرأسمالية الليبرالية الغربية القائمة على حرية التبادل التجاري. لم يعد هذا الأمر قائما اليوم في ظل زحف السياسة الاقتصادية والتجارية الحمائية. يذكر أيضا أن الأحزاب الشعبوية واليسارية والخضر وعدة قوى أخرى أيضا ترفض مبدأ التبادل التجاري وتدعو الى مناهضته بكل الوسائل المتاحة. 

نيكولا هيلو وزير سابق في حكومة الرئيس الليبرالي جدا إيمانويل ماكرون وقد دعا يوم21 يوليو 2019 نواب البرلمان الفرنسي إلى عدم المصادقة على اتفاقية التبادل الحر الموقعة بين كندا ودول الاتحاد الأوروبي. 

يوم 29 يونيو 2019 اعتبر رئيس الاتحاد الأوروبي جون كلود جونكر أن معاهدة التبادل الحر ما بين الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة في أمريكا الجنوبية (التي تضم البرازيل والأرجنتين وأورجواي وباراجواي) يمثل أكبر اتفاق تجاري تبرمه دول الاتحاد الأوروبي وقد أثار هذا الكلام موجة من الانتقادات غير المسبوقة في الاتحاد الأوروبي. 

لقد عبرت أحزاب الخضر المدافعة عن البيئة بشدة على هذه الاتفاقية رفضا مزدوجا ذلك أنها تعتبر أن هذه الاتفاقية قد تمثل تهديدا لدول أمريكا الجنوبية (مثل تقليص غابات الأمازون على سبيل المثال) إضافة إلى الخطر الذي تمثله هذه الاتفاقية على الزراعة وتربية المواشي في بلدان أمريكا اللاتينية. في النظم الديمقراطية الغربية يتم إخضاع اتفاقيات التبادل الحر للمصادقة البرلمانية. 

أما النظام الشمولي والدكتاتوري في الصين فقد قرر التصدي للإجراءات الحمائية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر الشريك التجاري والمالي الأول للصين، القوة الاقتصادية الصاعدة بقوة. 

عقب الاجراءات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على شركة هواوي الصينية في واشنطن في سنة 2019 ووضع هذه الشركة الصينية العملاقة على القائمة السوداء أعلنت سلطات بكين أنها ستبدأ بدورها في «فرض العقوبات على الشركات التي تسيء السلوك» من دون أن تكشف عن أي تفاصيل في هذا المجال. 

قبل خمس عشرة سنة من الآن، كانت العولمة الليبرالية تعتبر هدية من السماء. ما الذي جعل المجتمعات الغربية بعد ذلك تكره العولمة؟ يشعر أصحاب الرواتب والأجور في الدول الغربية أن نشأة الطبقة الوسطى في الدول الناشئة في العالم قد تمت على حسابهم. 

يرفض هؤلاء الغربيون أيضا أن يكونوا ضحية للأزمات المالية الناجمة عن انعدام المسؤولية للبنوك المعولمة التي تستفيد من خزائن الدولة وأموالها عندما تصبح على حافة الافلاس. إن دعاة الحمائية الاقتصادية والتجارية والانطواء على النفس يفتقرون إلى رؤية استراتيجية وتاريخية.  

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news