العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

تنامي النفوذ الصيني في الأمم المتحدة

الثلاثاء ٢٧ ٢٠١٩ - 10:55

لقد شهدت الأعوام القليلة الماضية تنامي النفوذ الصيني في داخل هياكل والوكالات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. بعد أن نجحت في تحقيق نهضة اقتصادية هائلة وضعتها بعد الولايات المتحدة الأمريكية كثاني أقوى اقتصاد في العالم، يبدو أن الصين قد دشنت استراتيجية جديدة ترمي إلى توسيع نفوذها في صلب منظمة الأمم المتحدة الأمريكية. للعلم فإن الصين تتمتع بحق النقض – الفيتو – إلى جانب الدول الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي – وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وبريطانيا وفرنسا. 

في خريف العام الماضي اختفى رئيس الشرطة الدولية (الانتربول) الصيني مينغ هونغوي في ظروف غامضة. لم تتسبب تلك الحادثة التي أثارت موجة من الانتقادات والتنديد والاستنكار في عرقلة تنامي النفوذ الصيني في منظمة الأمم المتحدة ومختلف أجهزتها ووكالاتها. 

تمت عملية الاعتقال في كنف السرية. فقد ألقي القبض على مينغ هونغوي بمجرد وصوله إلى الصين. لقد اعتبر النقاد أن اعتقال الرئيس السابق للإنتربول يعني أن سلطات بيكين تطلب من كل صيني يتبوأ مثل هذه المناصب الرفيعة المستوى أن يكون مواليا أولا وقبل كل شيء للنظام الشيوعي الحاكم في بيكين. 

بعد مرور أيام معدود من ظهور المسؤول الصيني مينغ هونغوي للعلن وللمرة الأولى منذ اختفائه واعتقاله قبل تسعة أشهر انتخب الصيني كيو كونجيو رئيسا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) وهي المنظمة المكلفة بمكافحة الجوع في العالم. تفوق هذا المرشح بفارق كبير على مرشحة فرنسا والاتحاد الأوروبي كاثرين جيزيل لانيل والتي اعتبرت وافرة الحظوظ لينتهي بها الأمر إلى خسارة الانتخابات وفوز منافسها الصيني. 

اعتبرت الصين أن هذا الفوز الانتخابي يمثل مكافأة هامة لما تسميه «تأييدها الراسخ لمنهجية تعددية الأطراف والتنمية في العالم». أقر عدد كبير من الدبلوماسيين أن العملاق الآسيوي قد ضخ تمويلات كبير في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) خلال الأعوام القليلة الماضية كما أن الصين قد حصلت على نتائج ملموسة في مجال مكافحة الفقر. 

وبالمقابل يعتبر البعض أن الصين قد نفذت حملة انتخابية تشوبها الكثير من الانتهاكات كما أنها اشترت أصوات الدول الأعضاء في منظمة الأغذية والزراعة من خلال إلغاء ديون هذه الدول المستحقة لمنظمة الفاو. 

يعتبر بعض الخبراء أن هناك خطة صينية لاختراق الهيمنة الغربية كما أنهم يعتبرون أن الفوز الصيني لا يمكن أن يفسر فقط عبر الضغوط التي قد تكون مارستها بيكين. مهما يكن من أمر فإن هذا الانتصار يعكس التوجه الصيني من أجل معركة شرسة حول المناصب الاستراتيجية في صلب منظمة الأمم المتحدة. 

تتولى الصين قيادة المنظمة المعنية بالطيران الدولي والتنمية الصناعية والاتصالات. تولي أحد المسؤولين الصينيين أيضا رئاسة إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في قلب منظمة الأمم المتحدة. أثار تنامي نفوذ الصين الكثير من المخاوف. 

يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: «هناك الكثير من المخاوف في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل وفي بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من تنامي النفوذ الصيني وهو ما يمكن نظام بيكين مستقبلا من فرض قواعده في منظمة الأغذية والزراعة من أجل خدمة المصالح الصينية». تعتبر الصين دولة مستورة للمنتجات الزراعية وهو ما جعل البعض يتخوف من احتمال وجود توجه صيني للسيطرة على الأراضي الزراعية الإفريقية. 

تضم منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة 193 دولة عضوا وقد انضمت إليها الصين سنة 1971 وظل نفوذها يتنامى في صلب هذه المنظمة الأممية، وخاصة خلال الأعوام القليلة الماضية، بالتوازي مع تنامي نفوذها الاقتصادي والتجاري في العالم. ساهم تنامي النفوذ الصيني في خنق الانتقادات الموجهة لها. رغم الاستنكار الذي تعبر عنه بعض الدول الغربية فإنها لم تفرض أي عقوبات على نظام بيكين الذي وضع أكثر من مليون من المسلمين في «معسكرات إعادة التأهيل» في مقاطعة Xinjiang وذلك وفق تقديرات الخبراء المختصين في الشأن الصيني عن كثب. 

لم يعد الأمر يتعلق بالمواقف والسياسات الدفاعية التي ترمي إلى حماية النظام الشيوعي الحاكم في بيكين. فقد أصبحت تخوض تنافسا مريرا مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الزعامة العالمية وهي تسعى إلى إعادة صياغة مفاهيم الحوكمة العالمية. تريد الصين أن تستغل نفوذها المتنامي في هذه المنظمات الدولية من أجل الترويج لمبادئها وأعرافها كبديل عن تلك التي كرستها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

يترجم هذا الأمر خاصة في رؤية معينة لمنظومة حقوق الانسان تتركز حول الطفرة الاقتصادية الهائلة والنهضة الاجتماعية التي نظمتها البلاد دون التركيز على الحقوق والحريات، إضافة إلى رفض القيم الكونية – التي تعتبرها الصين قيما غربية بالدرجة الأولى، وإبراز النموذج السياسي الشمولي الصيني. 

هذه المقاربة الصينية لا تركز فقط على منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها. فقد أطلق الرئيس الصيني شي جي بينغ المشروع العملاق «طريق الحرير» ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، الرامية إلى إعادة إحياء «طريق الحرير القديم»، والذي كان يمتد عبر آسيا وأوروبا لنقل البضائع من تلك المناطق إلى الصين، وبالعكس. راح الرئيس الصيني شي جين بينغ يروج للمشروع العملاق باعتباره سيسهم في تحقيق التنمية للدول المشاركة فيه بأقل ضرر على البيئة.

يهدف هذا المشروع العملاق إلى تشييد البنى التحتية في مختلف أنحاء الكرة الأرضية وهو ما يساعد الصين بطبيعة الحال على توسيع نطاق نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي عبر العالم ويمكنها من الهيمنة على طرق التجارة العالمية. 

كانت الصين أيضا وراء إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البني التحتية وهو يمثل كيانا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. أنشأت الصين أيضا مجموعة (16+1) والتي تضم ثاني أكبر اقتصاد في العالم وبلدان أوروبا الوسطى والشرقية، وهو ما أثار قلق ومخاوف كبرى العواصم في القارة العجوز. يعتبر كو دونغيو أول مسؤول صيني يتولى رئاسة منظمة الأغذية والزراعة وقد وعد بأن يكون على الحياد وأن يضطلع بمهمته على الوجه الأكمل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news