العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مستقبل السودان.. وطريق الأمل

بقلم: عبير بشير

الأحد ٢٥ ٢٠١٩ - 01:00

خلّف الرئيس السوداني السابق عمر البشير وراءه بلدًا مصابًا بفقر الدم الشديد؛ جراء النظام الأمني الذي أقامه، والذي نهب ثروات السودان، وأوقعها في دائرة الحروب.

في 1989 سقط القصر بقبضة «ثورة الإنقاذ»، عبر حيلة حاكها حسن الترابي، تضمنت تعيين عمر البشير رئيسًا وإعطاء مهندس الانقلاب دور السجين. عملية تضليل بارعة أخفت الهوية الإسلامية للانقلاب وانطلت على السودانيين ودول المنطقة، ومكنت صيغة الشيخ والرئيس من الإمساك بالبلاد قبل أن يتمرد الجنرال لاحقًا على الشيخ المرشد.

أدمن البشير، وهو ذو الخلفية العسكرية العتيقة، اللجوء للخيار العسكري في أحيان كثيرة مع أزمات تصاعدت بأرجاء حكمه، وواجه أزمة الجنوب بالحديد والنار، غير أنه استجاب لضغوط إقليمية وأمريكية؛ حفاظًا على بقاء حكمه. فوقّع في 2005 اتفاق سلام مع الحركة الشعبية، بهدف إنفصال جنوب السودان، وتقاسم ثروة وسلطة بين الشمال والجنوب، وبدأ التطبيل والتزمير لتباشير السلام والنفط والخصخصة والأمل في تطبيع وضع السودان الدولي، ما يؤدي إلى رفع العقوبات الأمريكية.

ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث، مع أن الأموال بدأت بالفعل تتدفق وبدأ البناء في كل زاوية من الخرطوم، واستعادت البرجوازية غير الإسلامية في السنوات التي سبقت 1989, التي كانت مهمشة، موطئ قدم في الاقتصاد.

في هذه الفترة، أصبحت السلطة السودانية أغنى وأقل آيديولوجية وتعتمد على السيطرة بالمال من خلال زبائنها في حزب المؤتمر الوطني.

لكن حين صوّت الجنوبيون في استفتاء 9 ديسمبر 2011 لصالح الانفصال وإنشاء دولة جنوب السودان، أصبحت الخرطوم في مأزق. فقد أغلق حوالي 80% من عائدات السودان النفطية صنبوره، وجرى تخفيض قيمة العملة وانخفض الجنيه السوداني، الذي فقد 66% من قيمته في غضون عام.

ويقول رافاييل شيفريلون-جويبرت، من معهد بحوث التنمية: إن السودانيين بعد انفصال الجنوب «أعادوا التفكير في الاقتصاد، وبدؤوا يركزون على قطاع التعدين والزراعة»؛ في محاولة لتعويض النفط. لكن الخطة لم تكن مدروسة جيدًا، وانتهت بسلسلة من الإخفاقات، حين مارست الحكومة سياسات ليبرالية فائقة، وقامت بخصخصة الشركات المملوكة للدولة في ظروف غامضة، وتنازلت عنها لمسؤولي السلطة غير الأكفاء أو الفاسدين.

ووقع قطاع التعدين أيضًا في شبكة فساد النظام السوداني، فبعض مواقع تعدين الذهب كانت تحت سيطرة أجهزة المخابرات أو المليشيات القريبة منها. ورغم أن السودان يحتل المركز الثالث عالميًا بين الدول المنتجة للذهب، وقد صُدّر طبقًا لوزارة التعدين 93 طنًا في عام 2018, فإن كميات كبيرة منه غادرت البلاد عن طريق التهريب.

وبعد ثلاثة عقود من حكم البشير لم يبق من حضور النظام السوداني في الخرطوم إلا القصر الرئاسي الذي بنته شركة صينية، ونادي المخابرات وقصر حزب المؤتمر الوطني. وأخذ اقتصاد السودان ينهار بشكل دراماتيكي، فالبنوك لم تعد لديها السيولة النقدية، وحتى آلات الصرف الآلية أصبحت فارغة؛ لأن المقربين من النظام شفطوا كل أموال البنوك، والعملة خسرت قيمتها، وكل شيء بدا يقترب من النهاية، حتى الرواتب الحكومية أوشكت أن تتوقف.

لذلك، فإن رحيل نظام عمر البشير، بعد اندلاع الانتفاضة السودانية الهادرة، كان متوقعًا.

وليس هناك من خلاف على أن النظام لم يسقط بالكامل حتى الآن، وأنه ما زال يقاتل بشتى الأساليب للعودة، فقد استخدم علي عثمان محمد طه، الذي وسمه السودانيون بأمير الحركة الإسلاموية، وهو المسؤول، على أي حال، عن التخطيط لانقلاب عام 1989 الذي قاد هذا التنظيم إلى الحكم، كتائب الظل ومليشيات الدفاع الشعبي والأمن الطلابي، في مهاجمة المعتصمين أمام مقر القيادة العامة، واستقدم أحمد هارون ومليشياته إلى الخرطوم، وهو الرجل المطلوب من المحكمة الجنائية.

لقد واجهت الانتفاضة السودانية منذ أيامها الأولى، العديد من التحديات، وكان أهمها الحفاظ على سلميتها. فالسلمية هي السلاح الأقوى الذي واجهت به الانتفاضة كافة المؤامرات. وكان واضحًا منذ البداية أن طريق السلمية لن يكون سهلاً في مواجهة محاولات حثيثة من أعمدة نظام البشير من أجل عسكرة الثورة، وجرها نحو دائرة العنف الدموي؛ لضربها في مقتل.

لكن غالبية المتظاهرين تمسكت بعدم التفريط في السلمية باعتبارها سلاح الثورة الأقوى، ولأن الانجرار إلى العنف سيقود السودان إلى طريق الدمار والفوضى، في ظل انتشار السلاح وتعدد الحركات المسلحة.

وعملت قوى الثورة المضادة كل ما بوسعها؛ من أجل منع نقل السلطة من المجلس العسكري إلى مجلس انتقالي تشارك فيه قوى الحرية والتغيير بكفاءة عالية، في ظل الوساطة الأثيوبية.

وقد بدا واضحًا أنه كلما اقتربت القوى المشاركة في الحوار الوطني من اتفاق تقع حوادث أمنية، ويسقط ضحايا مدنيون؛ لاستفزاز السودانيين وجرهم إلى التصعيد وتعطيل مفاوضات نقل السلطة. فمجزرة الطلاب في مدينة الأبيض أدت إلى تأجيل جولة مهمة كان مقررًا عقدها بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، لإجراء مباحثات نهائية بشأن الإعلان الدستوري.

كنا نعتبر السودان بلدًا سيئ الحظ. أصابته الجغرافيا حين التقت على أرض السودان الإخفاقات العربية والإفريقية، كما يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم.

لكن أخيرًا، وصل السودان إلى محطة فرح؛ بعد توقيع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير الوثيقة الدستورية، التي تؤسس للحكم المدني عبر مرحلة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، لن تكون سهلة؛ فالإرث ثقيل.

ومع هذه الخطوة المفصلية ينتقل الحكم في السودان من المجلس العسكري إلى عهدة مجلس سيادي من 11 شخصًا. 

وللمرة الأولى بالسودان تشارك امرأة في قمة هرم السلطة، بالإضافة إلى شخصية مسيحية، وهي أيضًا سابقة تعكس طبيعة التحول الذي طالب به قادة الحراك الشعبي في إطار تمثيل جميع فئات المجتمع السوداني، كما تم تمثيل أقاليم السودان المختلفة بـ5 أعضاء مدنيين.

ويضم المجلس أيضًا 5 عسكريين، فيما يتناوب الطرفان على رئاسة المجلس بدءًا بتولي الفريق عبدالفتاح البرهان المنصب في المرحلة الأولى.

وتنص «الوثيقة الدستورية» على تشكيل مجلس وزراء من 20 شخصًا، يتمتع بسلطات تنفيذية كاملة وفق النظام البرلماني، وليس الرئاسي، فيما تنحصر سلطات المجلس السيادي في شؤون السيادة. وسيتم إنشاء مجلس تشريعي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ويُحلّ بنهاية المرحلة الانتقالية، وإجراء انتخابات عامة في 2022.. الرحلة طويلة وشاقة.

‭{‬ كاتبة من فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news