العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التحول من الإدارة البيئية إلى الحوكمة البيئية

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢٥ ٢٠١٩ - 01:00

حتى نفهم عن ماذا نتحدث فإنه من الضروري أن نضع الإطار العام لبعض المصطلحات التي جاءت في عنوان هذا المقال، ومن ثم نحاول أن نتفهم الطرق المثلى لهذا التحول.

يرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الإدارة البيئية (Environmental Management) هي تلك الأمور المتعلقة بالسياسات والقواعد والمعايير والمؤسسات والإجراءات وآليات التمويل والقضايا ذات العلاقة بالبيئة. فهي تتناول الجهات التي تتخذ القرارات، وكيف يتم اتخاذ القرارات وتنفيذها، والمعلومات العلمية اللازمة لصنع القرار البيئي، وكيف يمكن للجمهور وأصحاب المصلحة الرئيسيين المشاركة في صنع القرار، ونوع المعلومات التي ينبغي أن تكون متاحة والكيفية التي تتم فيها العمليات والنظم وكذلك كيف تتم المراجعة.

ومن الناحية الأخرى فإن الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي تشير إلى أن الإدارة البيئية ليست كما يمكن أن يشير إليها المفهوم نفسه على أنها إدارة البيئة في حد ذاتها، وإنما تعبر عن إدارة التفاعل بين المجتمعات البشرية الحديثة وتأثيرها على البيئة، من خلال القضايا الثلاثة الرئيسية التي تؤثر على المسؤولين في هذا المجال هي تلك التي تنطوي على السياسات (الشبكات networking)، البرامج (المشاريع projects)، والموارد (المال، التسهيلات، المرافق facilities، money، etc). 

ويُمكن الاطلاع على الحاجة لإدارة البيئة من خلال الاطلاع على مجموعة متنوعة من وجهات النظر، ومفهوم القدرة على التحمل والاستمرار هي الفلسفة الأكثر شيوعًا والقوة الدافعة وراء الإدارة البيئية، وبالتالي فإن الإدارة البيئية ليست للمحافظة على البيئة من أجل البيئة فقط، ولكن هي للمحافظة على البيئة من أجل وصالح البشرية أيضًا. وتستكمل الأكاديمية التعريف بقولها إنه تنطوي – أي إدارة البيئة – على إدارة جميع مكونات البيئة الطبيعية الحيوية، وهذا يرجع إلى وجود شبكة من العلاقات المترابطة بين جميع أنواع الكائنات الحية وبيئاتها.

وفي مفهوم متكامل للإدارة البيئية المبنية على مؤتمر ريو+20 فإن نظام الإدارة البيئية المتكاملة يقصد به ذلك النسق الإداري المتكامل الذي يتحقق من خلاله التزام مستويات الإدارة العليا ومتخذي القرار التنموي واقتناعهم الكامل بتطبيقه للوصول بالمؤسسة إلى التنمية المستدامة في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ويرى هذا المفهوم أن الإدارة البيئية تتحقق من خلال:

‭{‬ التعرف الصحيح على الموارد المتاحة.

‭{‬ التخطيط السليم لاستغلالها مع الترشيد في استهلاك الموارد الطبيعية للدولة.

‭{‬ الحفاظ على صحة أفراد المجتمع في جميع الأعمار. 

وهو ذات المفهوم الذي تدعمه أجندة القرن الواحد والعشرين التي أصدرها مؤتمر قمة ريودي جانيرو للبيئة والتنمية المستدامة، ودعمتها وثيقة قمة الأرض التي عقدت في جوهانسبرغ عام (2002)، حيث طالبت الحكومات بمزيد من الالتزام البيئي وترشيد استهلاك الموارد، ومحاربة الفقر الناتج عن سوء توزيع الموارد.

ومن ناحية أخرى فإن الحوكمة تعني – كما تحدثنا سابقًا – ببساطة أنها التحكم المؤسسي في المؤسسات بهدف نجاح المؤسسة وتقويتها على المدى البعيد وتحديد المسؤوليات داخلها مع ضمان حقوق جميع الأطراف التي لها علاقة بالمؤسسة وبعدالة، وذلك من خلال الأسس التالية: المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والاستجابة، والتوجيه نحو بناء توافق للآراء، والإنصاف، والفعالية، والكفاءة، والمساءلة، والرؤية الاستراتيجية.

بمعنى أن يكون بالمؤسسات – سواء الحكومية أو الخاصة – أنظمة وقوانين على أساسها تتخذ كل القرارات المتعلقة بالموظف، أيًا ما كان الموضوع أو القرار المتخذ، ولا يخضع أي قرار لمزاجية مسؤول أيًا ما كانت درجته.

وبعيدًا عن الصورة العامة لمصطلح الحوكمة فإن العديد من المؤسسات قامت بتعريف الحوكمة كالتالي: 

*تعرف مؤسسة التمويل الدولية (IFC) الحوكمة بأنها: «النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها». 

‭{‬ تعرفها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بأنها: «مجموعة من العلاقات التي تربط بين القائمين على إدارة الشركة ومجلس الإدارة وحملة الأسهم وغيرهم من أصحاب المصالح». 

 ‭{‬ وتعريف آخر للحوكمة يدور حول الطريقة التي تدار بها الشركة وآلية التعامل مع جميع أصحاب المصالح فيها، بدءًا من عملاء الشركة والمساهمين والموظفين (بمن فيهم الإدارة التنفيذية وأعضاء مجلس الإدارة) وانتهاء بآلية تعامل الشركة مع المجتمع ككل.

‭{‬ وفي تعريف آخر فإن الحوكمة تعني «وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية في الشركة (أعضاء، مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية، المساهمين، إلخ) بهدف تحقيق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد ومنح حق مساءلة إدارة الشركة لحماية المساهمين والتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها واستراتيجياتها الطويلة الأمد».

 ‭{‬ وأما قرار (13) السابق الذكر فيعرف الحوكمة بأنها «الممارسات التي تضمن تحقق الاستخدام الأمثل للصلاحيات الإدارية التي يُمكن من خلالها تحقيق أهداف المؤسسة، وتطبيق أفضل الممارسات والمنهجيات الموثقة التي يتم العمل بها مع الحفاظ على حقوق ورضا المتعاملين وأصحاب المصلحة».

بمعنى آخر فالحوكمة هي منهج الإدارة الذي يزود المؤسسة بالإجراءات والسياسات التي تحدد الأسلوب الذي من خلاله تدار العمليات بكفاءة. إن الحوكمة تضع الإطار لاتخاذ القرار الأخلاقي والإجراءات الأخلاقية للإدارة داخل المؤسسة على أساس من الشفافية، والمحاسبة، والأدوار الواضحة المحددة للعاملين، وتؤكد الأداء مستخدمة الرصد، والإبلاغ، والتطوير، وتحسين العمليات، وإجراءات العمل. ويمكن أن نلخص معنى الحوكمة أنها: «مجموعة من القوانين والنظم والقرارات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء عن طريق اختيار الأساليب المناسبة والفعالة لتحقيق خطط وأهداف المؤسسة». 

أما مفهوم الحوكمة البيئية فهو من المفاهيم الحديثة، ويمكن أن يلاحظ أنه يتركب من مصطلحين، وهما: الحوكمة والبيئة، ولقد تم توضيح المصطلحين سابقًا، ولكن لنحاول أن نفهم هذين المصطلحين كمفهوم واحد، لذلك يمكن أن يقال إن مصطلح (الحوكمة البيئية) هو «مبدأ شامل ينظم السلوك العام والخاص نحو مزيد من المساءلة والمسؤولية من أجل البيئة»، فهي تعمل في كل المستويات بدءًا من المستوى الفردي وصولاً إلى المستوى العالمي، كما تدعو إلى قيادة تشاركية ومسؤولية مشتركة من أجل الحفاظ على الاستدامة البيئية.

وبمعنى آخر فإن الحوكمة البيئية هي الترتيبات الرسمية وغير الرسمية، وهي التي تحدد كيفية استخدام الموارد الطبيعية والبيئة؛ والكيفية التي تقدر وتتحمل المشاكل، والأزمات، والكوارث البيئية والكيفية التي يتم حلها، وما السلوك الذي يعتبر مقبولاً ومرفوضًا؟ وما القوانين والعقوبات المطبقة على المؤثر في نموذج استعمال الموارد البيئية؟

ومن ناحية أخرى فإن مفهوم الحوكمة البيئية يعود إلى آليات صنع القرارات التي تُعنى بإدارة البيئة والموارد الطبيعية، وتعتبر مفاهيم الشمولية والتمثيل والمحاسبة والفعاليّة والكفاءة، بالإضافة إلى الإنصاف والعدالة الاجتماعية، على أساس الحَكومة الجيدة.

وتوضح الدراسات أن الحوكمة البيئية تشير إلى عملية صنع القرار المرتبطة بمراقبة وتسيير البيئة والموارد الطبيعية، وهي أيضًا حول أسلوب القرارات المتخذة، لذلك يمكن أن يقال إن الحوكمة البيئية الجيدة هي التي تعكس مفهومنا للبناء، الوظيفة، العمليات وتغيير صور الأنظمة الطبيعية، إذ أن دون هذا الفهم يمكن أن تتخذ قرارات غير ملائمة مع نتائج بيئية كارثية، حتى مع أفضل النوايا المحتملة. 

لذلك فإن مفهوم الحوكمة البيئية يعود إلى آليات صنع القرارات التي تعني وتتخذ من أجل الإدارة البيئية وحفظ الموارد البيئية الطبيعية، حيث إن الحوكمة البيئية هي الآلية الفعالة التي عندما تمارس بعقلانية فإنها تسير بالبيئة نحو النظام المستدام، وفي المقابل فإنه عندما تكون الحوكمة البيئية ضعيفة فإنها تتسبب في تراجع البيئة. 

ولقد كان الاهتمام بمفهوم الحوكمة البيئية في البداية اهتمامًا عالميًا ظهرت بوادره الأولى أثر انعقاد مؤتمر ستوكهولم (1972) وإن لم يكن المصطلح واضحًا كما هو اليوم، وهذا نظرًا إلى التدهور الكبير الذي عرفته البيئة والذي كان انعكاسها ليس محليًا وإنما عالميًا، لهذا وجب أن يكون الاهتمام بالحوكمة البيئية على مستوى كل الدول، وتم تفعيل ما يعرف بالحوكمة البيئية في (ريو+20) عام 2012.

حسنا، إن كانت هذه هي (الحوكمة البيئية)، فهل من الضروري أن يتم ممارستها في دولنا؟ وإن أردنا أن نتخذها منهجًا في العمل البيئي، فكيف يمكننا ذلك؟

هذا حديث آخر.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news